الجمعة 18 أغسطس 2017
الرئيسية / الشعر العربي / شرح قصيدة أراك عصي الدمع للشاعر أبي فراس الحمداني
شرح قصيدة أراك عصي الدمع

شرح قصيدة أراك عصي الدمع للشاعر أبي فراس الحمداني

نقف بكم اليوم عند تحفة من روائع الشعر العربي الخالد ، أبيات تقطر استعطافا ورقة ، ووجدانا وشوقا ، هذا ما سنعيشه في موضوعنا ‘ شرح قصيدة أراك عصي الدمع للشاعر أبي فراس الحمداني ‘ .

قصيدة أراك عصي الدمع

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ  *  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة  *  ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى  *  وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي  *  إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ  *  إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ !

حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا  *  و أحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ ، العذرُ

و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ  * لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ

بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً  *  هوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ

تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي  *  لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ

بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني  *  أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ

وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ  *  وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ

يقولونَ لي : ” بعتَ السلامة َ بالردى ”  *  فَقُلْتُ : أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ

و هلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً  *  إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ ؟

نكتفي بهذا القدر من الأبيات من القصيدة الرائعة ‘ أراك عصي الدمع ‘ ، ويمكنكم الرجوع إليها كاملة على الانترنت للاطلاع .

 

نبذة مختصرة عن صاحب القصيدة

 

هو الشاعر أبو فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة أمير حلب . ولد في الموصل سنة 932 م . قتل أبوه وهو ما زال في الثالثة من عمره ، فعاش تحت رعاية ابن عمه سيف الدولة ونشأ في بلاط الحمدانيين في حلب بين نخبة مختارة من رجال العلم والأدب . فكان شاعرا وكاتبا وفارسا .

قاتل الروم مع سيف الدولة ، وأسر في إحدى مواقعه معهم . ثم فك أسره ووقع نزاع بينه وبين أبي المعالي ابن سيف الدولة الذي قضى عليه في إحدى المعارك . وهكذا مات وعمره 37 سنة .

 

مناسبة قصيدة أراك عصي الدمع

 

القطعة التي بين أيدينا زخرفت وأخذت من ” روميّات ” أبي فراس ، وهي تلك القصائد الرائعة التي نظمها الشاعر في أسره ببلاد الروم وأرسلها إلى ابن عمه سيف الدولة ( تباطؤه في فدائه ) أو إلى والدته الكئيبة أو إلى أصدقائه ، وهي كيوميات سجّل فيها الشاعر تأثره بالفرقة والأسر والغربة ، وكذا فخره بنفسه واشتياقه لأيام الحرية والرغد والفروسية .

 

شرح أبيات قصيدة أراك عصي الدمع

 

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ    *  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

لقد استهل الشاعر قصيدته بمقدمة غزلية جريا على العادة التقليدية للشعراء الأوائل ، وهذا ليس بغريب على شاعرنا إذا نظرنا إلى مسيرة حياته التي تشرّبت الأصالة والعروبة .

يخاطب الشاعر نفسه متعجبا من مدى صبره وجلده على سلطان الحب ، فهو لا يبكي كعادة أهل الهوى المكتوين بناره ، ودمعه يقف له سندا هو الآخر فيمتنع عن الترقرق ، وهنا يحضرني على النقيض بيت الشاعر العظيم المتنبي :

أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقُ   *  وجوى يزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ

فهو على عكس أبي فراس ، يعاني من نار الهوى التي حرمت جفونه النوم ، ويعتصر قلبه ألما ، وينهال دمعه سيلا .

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ *  ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !

يعترف الشاعر بأنه يحتفظ بكل مظاهر حبه واشتياقه في صدره ، وبأنه يتألم لبعده عن الحبيبة ، لكن نفس الشاعر تأبى الخضوع لأمر الهوى  ، فهو يملك القدرة على التحمّل وإخفاء مشاعره ، لكن سرعان ما تتدخل عوامل ومؤثرات تضعف نفس الشاعر وتجعل ذاته تستسلم وهو ما نلمسه في البيت التالي :

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى  *  وأذللتُ دمعاً منْ خلائقه الكبرُ

إذا حلّ الليل على الشاعر ، جاءت إليه الذكريات وبسط سلطان الهوى جبروته على قلبه ، فيبكي بحرقة ، لكنه لا يظهر بكاءه للناس ، فهو الجلد الصابر الذي تأبى نفسه الضعف والهوان .

بيت يتّقد شوقا

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي  *  إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

لقد وصلت شدة الوجد والشوق إلى الديار والمحبوبة بالشاعر إلى درجة أنها نار أحرقت فؤاده وجوانحه ، لكن مكانة الشاعر واعتزازه بنفسه تجعله يتجرع هذه المرارة بصمت ويكتمها في قلبه ، إنه صراع بين الكبرياء والعاطفة ، كبرياء دونه الموت أنفة وصبرا ، وعاطفة تتّقد نارا حارقة .

معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ   *  إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ !

يتملك خطاب الأنانية نفسية الشاعر ، فهو ينتظر ويرسم الأماني للقاء محبوبته التي يبدو أنها لا تفي بوعدها ، وبين نار شوق اللقاء و مخافة إدراك الموت للشاعر وحرمانه من وصل المحبوبة ، يدعو على كل أهل الهوى والعشق بنفس المصير .

بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني  *  أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ

يقدم لنا الشاعر في هذا البيت صورة رائعة تنطق بالجمال ، فافتقاده للحبيبة جعله وحيدا رغم أنه يعيش وسط أهله ، وكأني ـ شخصيا ـ  أتخيل الشاعر نازلا إلى الصحراء متخليا عن أهله الحضر ، فالدار التي لا تحوي حبيبته هي قفر خراب ، ورمس يعلوه سراب ، نفسية منهارة وملل قاتل ترياقه وجود الحبيبة .

أبيات تشعّ حكمة 

هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه  *  فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ

وما هذه الأيامُ إلا صحائفٌ  *  لأَحْرُفِهَا من كَفِّ كاتبها بِشْرُ

و لا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍ  *  كما ردها ، يوماً بسوءتهِ ” عمرو”

وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ  *  وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ

تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا  *  و منْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ

أبيات رائعة جرت مجرى الحكم ، فصار بعضها مثلا سائرا بين الناس ، ولا عجب في ذلك ، فنفسية الشاعر الجياشة بالعاطفة والأحاسيس الرقيقة جعلت الحكم تنساب على لسانه وتجري في كيانه .

الأساليب البلاغية في قصيدة أراك عصي الدمع

 

تزخر قصيدة ‘ أراك عصي ّّ الدمع ‘ بمجموعة من الأساليب اللغوية والفنية البيانية أذكتها نار العاطفة المتأججة ، وسندرج بعضا منها بما تيسّر وتقدّر على سبيل الإيجاز .

لقد نظم الشاعر قصيدته على ‘ بحر الطويل ‘ ، وتفعيلته :

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن   فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

وبالرجوع إلى القصيدة نجد ما يلي :

المستوى الدلالي

اعتمد الشاعر على الاستعارة المكنية في البيت الأول ( أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ ..) فلقد صوّر الدمع بالعصيّ والصلب ، وشبّه الهوى بالإنسان الذي يأمر وينهى .

وفي البيت الثالث ( إذا الليل أضواني ) هذه استعارة مكنية صوّر فيها الليل بالوهن والمرض الذي يضعف الشاعر .

(بسطت يد الهوى) هنا صوّر الهوى بشخص له يد تُبسط .

( أذللت دمعاً من خلائقه الكبر ) استعارة مكنية صور فيها الدمع بشخص متعال من طبائعه الكبر .

فى البيت الرابع : ( تكاد تضيء النار بين جوانحي ) استعارة تصريحية حيث شبه عواطفه وانفعالاته الداخلية بالنار التي من الممكن أن تضيء وتشتعل .

( إذا هي أذكتها الصبابة والفكر ) : استعارة مكنية ، هنا شبه شدة الشوق والعشق بالمادة التى من شأنها أن تشعل النيران .

سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ  *  وفي الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البدرُ 

أكثر بيت بلاغي شد انتباهي وإعجابي ، حيث شبه الشاعر نفسه بالبدر و يقول أن الناس لا بد أن تتذكره في المواقف الصعبة ، فهو فارس الحالات المستعصية .

المستوى التركيبي

فنجد أسلوب الاستفهام ينوب ترجمة عن البيت الأول  ، ففي قوله ‘  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟ ‘ يتساءل الشاعر متعجبا عن ماهية الهوى الذي يؤثر في القلوب .

وعلى مستوى البديع والصوت يتجلى لنا أسلوب التصريع (  اتفاق شطري البيت الواحد ) وفي المثال نجد كلمتي : الصبر ، أمر .

كذلك نجد أسلوب الطباق ( كلمتان متضادتان في المعنى ) في :

البيت الأول : ( نهي وأمر ) .

البيت الثاني : ( يذاع وسرّ ) .

البيت الخامس : ( ظمآنا والقطر ) .

ظاهرة تكرار الترادف ( اختلاف كلمتان في اللفظ واتفاقهما في المعنى ) : وأزيد عليها أن هذا التكرار يكون بالمدلول دون الدال ، ولكي نقرّب الصورة لنتأمل البيت الأول :

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ  *  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

نجد ورود كلمتي ( عصيّ الدمع وشيمتك الصبر ) وهما يدلان على معنى واحد وهو الجلد والقدرة على التحمل والصبر .

وفي البيت الثالث :

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى  *  وأذللتُ دمعاً منْ خلائقه الكبرُ

نجد كلمتي ( أضواني وأذللت ) وهي بمعنى الضعف والانهزام .

خاتمة

لقد انبثق الشعر على لسان أبي فراس وتدفّقت العاطفة منه سيلا إلى حدّ قلّما بلغت إليه عاطفة في الشعر العربي المتداول ، ومن هذه العاطفة استمد الشاعر معانيه ، فهو الأمير الرقيق والملهم الذي ينبع الحبّ من فؤاده ، وقد يضعف أحيانا فيرسم لنا ديباجة مزينة بفسيفساء عبارات التشكي والحنين والجزوع . هذه العاطفة الرقيقة بوّأت الشاعر منزلة حسنة في عالم الفن ، وقرّبته أبدا إلى القلوب ، فالعاطفة العميقة الصادقة تستوطن القلوب وتغدو قيمة تبقى خالدة على مر السنين .

مصادر ومراجع :

– شاعرية أبي فراس ( نعمان ماهر الكنعاني ) .

–  فخر أبي فراس وأبي الطيب ( عبد الغني باجقني ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *