الأحد 24 سبتمبر 2017
الرئيسية / الأدب العربي / قرأت لكم : الغريق ( لمصطفى لطفي المنفلوطي )
الغريق

قرأت لكم : الغريق ( لمصطفى لطفي المنفلوطي )

تظهر شجاعة الناس وشهامتهم عندما تقع كارثة ، عند ذلك يضحي الكريم بماله ، ويقدم الشجاع على المخاطرة بنفسه . ومن الكوارث التي تتكرر مرات كل سنة حوادث الغرق .

تخيل منظر غريق يصارع الأمواج وقد يئس من نجاته ، وفجأة ينطلق رجل لينقذه ، وبعد أن ينتشله يصاب هذا الغريق بالجنون ، فيحاول إغراق منقذه ! هذا ما ستكتشفونه في هذه القصة الرائعة ، والتي برع أديبنا المنفلوطي في وصف أطوارها .

غريق بين الموت والحياة

 

خرجنا ذات يوم وما زلنا سائرين حتى بلغنا شاطئ النهر فراعنا أنا رأينا هنالك جمعا عظيما من الناس يتدفّع فوق الشاطئ الآخر تدافع الموج المتراكب ، ويشير إلى الماء بأصابعه ، وينادي ” الغريق ، الغريق – والنجدة ، النجدة “ ، فالتفتنا حيث أشاروا ، فإذا رجل بين معترك الأمواج يصارع الموت ، والموت يصرعه ،  ويغالب القضاء ، والقضاء يغلبه ، يطفوا تارة فيمد يده إلى الناس فلا يجد يدا تمتد إليه ، ويرسب أخرى حتى تنبسط فوقه صفحة النهر فتحسبه من الهالكين .

 وما زال يتخبط ويتشبث ، ويظهر ، ثم يختفي ، ويتحرك ثم يسكن ،  حتى كلّ ساعده ، ووهت قوته ، وابيضت عيناه ، واستحال أديمه ، ولم يبق أمام أعيننا منه إلا رأس يضطرب ، ويد تختلج ، فبكي الباكون ، وأعول المعولين ، ونظر الناس بعضهم إلى بعض كأنما يتساءلون عن رجل رحيم ، أو شهم كريم .

رجل شهم وشجاع

 

 وإنهم لكذلك إذا رجل عار يدفع الجمع بمنكبيه ، وينزلق بين الناس انزلاق السهم إلى الرمية ، حتى اندفع إلى النهر ، وسبح حيث هبط الغريق ، فهبط وراءه ، وما هي إلا نظرة والتفاتة أن انفرج الماء عنهما فإذا هما صاعدان ، وقد أمسك الرجل بذراع الغريق فكبر الناس إعجابا بهمة المخلص ، وفرحاً بنجاة الغريق .

ولكننا ما كدنا نستفيق من هذا المنظر المحزن حتى راعنا منظر آخر أجل منه وقعا وأعظم هولا . فقد رأينا الغريق كأنما جن جنونه فظن أن مخلصه يريد به شرا ، وأنه ما أمسك بذراعه إلا وهو يريد أن يهوي به إلى قاع الماء فيعيده سيرته الأولى ،  فأفلت منه وضربه بجُمع يده في صدره ضربة شديدة .

ثم أنشب أظافره في عنقه ولفه بساقيه لفة خلنا أن عظامه تئن لها أنينا ، فاستيأس الرجل وعلم أنه لا بد هالك ، فرفع يديه إلى السماء وهتف باسم ، فلم أفهم ماذا يريد ، ثم ما لبث أن هوى الماء بهما ، وجرى مجراه فوقهما ، فخفقت القلوب ، ووجفت الصدور ، وخفتت الأصوات ، وامتدت الأعناق ، وتواثبت الأحشاء ، وتزايلت الأعضاء ، ومشى اليأس في الرجاء مشى الظلام في الأضواء .

نهاية سعيدة

 

فركعت على كتبان الرمل ، ورفعت إلى السماء يدي وقلت : اللهم إنك أعدل من أن تجازي بالإحسان سوء وبالخير شرا ، فلقد أبلى هذا الرجل في إنقاذ هذا الغريق بلاء حسناً ، وبذل في سبيل ذلك من ذات نفسه ما ضن به الناس جميعا ، فامدد إليه يدك البيضاء التي تنير بها  ظلمات البائسين ، واكشف عنه كربته التي يعالجها إنك أرحم الراحمين .

 ثم استغرقت في دعائي ، فلم أعد أشعر بشيء مما حولي ، حتى سمعت ضجة على الشاطيء فاستفقت ، فإذا بالنهر يتثاءب عن الرجل ، وإذا الرجل صاعد وحده حتى بلغ سطح الماء ، فهتف به الناس : أنج بنفسك فقد أبليت ، فأبى عليه كرمه ووفاؤه أن يكون قاسياً أو منتقماً ، فألقى بنفسه في الماء مرة أخرى ، وعاد بالغريق يحمله على كتفه ، وما زال يسبح به حتى بلغ الشاطئ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *