الجمعة 18 أغسطس 2017
الرئيسية / الأدب العربي / قصة مثل جزاء سنمار : حينما يجازى المحسن بالإساءة ، بل القتل !

قصة مثل جزاء سنمار : حينما يجازى المحسن بالإساءة ، بل القتل !

رجل مبدع فريد في زمانه ، يحب عمله بشدة وحرص على تميزه فيه لدرجة لا توصف ، لكن أحاطت به عين الحسد والريبة ، والتخوف والغيرة ، فلقي حتفه فصار مثلا يضرب لمن يرد على الإحسان بالإساءة ، حتى قيل : جزاؤه جزاء سنمار ، فإليكم قصته .

ملك مزهو بسلطانه

يروى أن ملك الحيرة النعمان كان مزهوا بسلطانه ، مفتخرا بمملكته ، وكان يباهي بها أمام ملوك العرب والفرس ، فأراد ذات يوم أن يشيد على أرضه قصرا عتيدا مجيدا ، يصل صداه إلى أقاصي الأمم ، فاقترحوا عليه مهندسا من الروم يدعى سِنِمّار ، وقد عُرف بإتقانه الشديد في تصميمه وحرفته في الزخرفة والبناء ، وكان له ذلك . فقدم سنمار وشرع بكل ما أوتي من مهارة وخبرة في تشييد قصر لن تقدر على خلقه أي يد مهندس آخر بعده ، خصوصا وأنه علم بكرم الملك النعمان ، وإغداقه بالذهب والهدايا على من يحسنون خدمته .

تقول بعض الروايات أن سنمار استغرق قرابة العشرين سنة في تشييد هذا القصر العظيم ، وأطلق عليه اسم الخورنق ، وبعد أن انتهى منه وعرضه على الملك ، انبهر أشد الانبهار ، ودهش الناس لدقة تصميم القصر وزخرفته ، وألوان أركانه وجنباته ، وقد وقف سنمار سعيدا راضيا عن نفسه لأنه عمل بكل جد لأداء مهمته على أكمل وجه ..فكان كذلك بل أكثر ، لكن المسكين لم يعلم أن فصول نهايته كانت تقترب منه من حيث لا يدري .

وعلى العموم هناك روايتان مشهورتان لنهاية سنمار :

الرواية الأولى : بعد أن انتهى سنمار من القصر وانبهر به الملك ، أخذه في جولة بأرجاء القصر وصعدا إلى قمته ، عندها أعجب الملك أشد الإعجاب من عظمة هذا الصرح الشاهق ، وحدّثته نفسه بأن سنمار كما بنى له هذا القصر الباهي ، فسيبني غيره أو أفضل منه لملك آخر ، فما كان من الملك إلا أن دفعه من قمة القصر فأرداه قتيلا .

الرواية الثانية :  بعد أن انتهى سنمار من القصر وانبهر به الملك ، أخذه في جولة بأرجاء القصر ، وأثناء حديثهما قال له سنمار : يا جلالة الملك لقد صممت لك هذا القصر لك وحدك ولن يتأتى لأي شخص مهما كان أن يشيد مثله ، ولقد تركت آجرة ( طوبة ) في موضع محدد إن أزحتها من مكانها انهدّ القصر برمته ، فإن تعرضت مملكتك لغزو أو تمكن الأعداء منك ، ما عليك إلا أن تزيل هذه الآجرة من موضعها فينهدّ القصر فوق رؤوسهم ، وتهرب أنت ، ولن يبقى لهم شيء .

فقال له الملك : من يعلم بأمر هذه الآجرة ؟

قال سنمار : طبعا أنا وأنت فقط مولاي .

فتوجس الملك الريبة والخوف ، وأحاطت به الوساوس والظنون ، ورأى أن هذا السر الخطير يجب أن يعلم به شخص واحد فقط ، فاستدعى سنمار إلى مرافقته لقمة القصر ، فباغته على حين غرة ودفعه .

ذلك جزاء سنمار ، فبالرغم من كون نيته سليمة صافية لا تحمل أي شر ، إلا أن مهارته اللامتناهية في عمله كانت سببا في نهايته ، وأضف إليها غيرة الملك التي أعمت عينيه عن كل رويّة وتفكير ، فكان مثل جزاء سنمار يضرب في كل  من يحسن في عمله ، فيكافأ بالإساءة إليه . فكم من سنمار في واقعنا يجازى شرا بعد أن يبذل كل ما يملك من ضروب الخير والإحسان ، وتلك هي الأيام التي لا يأمن تقلبها أي عاقل .

يقول الشاعر :

جزاني جزاه الله شر جزائه  *  جزاء سنمار وما كان ذا ذنب

قد يعجبك الاطلاع على قصة :

رجع بخفي حنين : بين نار الانتقام وخيبة الأمل نروي لكم قصة هذا المثل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *