الجمعة 18 أغسطس 2017
الرئيسية / فنجان قهوة / مذكرات مدرسية : حزام جلّاد – عصا من شجر الزيتون ، وألوان أخرى من العقاب ( الفصل 4 )

مذكرات مدرسية : حزام جلّاد – عصا من شجر الزيتون ، وألوان أخرى من العقاب ( الفصل 4 )

ما ستقرأونه الآن ليس مذكرات معتقل سياسي ، أو حتى سيناريو مسلسل أو فيلم ، بل هي خواطر حقيقية يرويها لكم أخوكم ها هنا كما رسمتها له ذاكرته .

كان ذلك في السنة الدراسية الخامسة ، حيث رمت بنا الأقدار عند مدرسين جمعتهما قسوة الملامح ، والنظرة المخيفة . أستاذ المواد الأدبية كان ضعيف البنية ، رث الهندام ، لكن ركلاته وصفعاته تفوق بروسلي خفة وألما ! كانت هوايته ضربنا ، تعذيبنا ، نتف ريشنا ..ثم أكلناهيه يا سادة أتحدث عن مدرستنا حقا وليس مشواة دجاج !

أتذكر ذلك اليوم العصيب ، حيث كنا بصدد دراسة مادة التاريخ ، وفجأة قال : أغلقوا الكتب حالا ، وتناولوا الألواح والطبشور ، ولكم أن تتخيلوا حجم الخوف والارتعاد الذي كان يتملكني ، فلقد ألفنا أسلوبه ، فهوايته الصيد واقتناص أي هفوة منا ليمارس هوايته المفضلة .

حطت الطير فوق رؤوسنا ، والأستاذ مستعد لإطلاق سؤاله – بل شباكه – فقال : من هي فاطمة الفهرية ؟ أكتبوا الجواب الآن الآن الآن……صراخه زادنا رعبا وقلقا ، فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ، وقد افتقدنا التركيز واستحضار معلوماتنا .

طق..طق…طق…طق

كان وقع فطور الصباح نذيرا بانتهاء المهلة ، وفطور الصباح لقب أطلقه أستاذنا على عصا طويلة اقتطعها من شجر الزيتون ، وكان أكثر ما يعاقبنا بها صباحا لكل من يتأخر عن حضور الحصة ، فيقول له : مُدّ يدك لتتناول فطور الصباح !

رفعنا الألواح وهي خاوية على عروشها ، فارتسمت نظرة خبيثة على وجهه ، وكأنه كان يتوقع الأمر وينتظر لحظة الانقضاض ، وقد حصل ، فمرّ علينا واحدا واحدا ، ولكم أن تتخيلوا حجم الألم الذي تسببه عصا فطور الصباح ، فكنّا نجد راحة وتخفيفا من أثر الضربة في حديدة تربط بين الطاولة والمقعد ، فبرودتها كانت تخفف عنا بعض الأهوال !

أما المعلم الآخر وهو أستاذ المواد العلمية فكان ضخم الجثة ، يحمل كرشا كبيرة والكرش تحمله ، أسنانه خربت بفعل التدخين ، وتنبعث من حذائه رائحة تزكم الأنوف وتعمي الأبصار !

على غرار صاحب فطور الصباح ، كانت هواية فيل البحر هذا أن يجلدنا بحزام سرواله العريض ، وأتذكر مرة أحد زملائنا المساكين بال على سرواله من شدة الخوف ووقع ضربة الحزام .

لم يكن يعجبه العجب ولا صوم رجب ! متقلب المزاج ، يُدرّس وفق هواه ، في لحظة قد ينقلب درس الرياضيات إلى قصة مغامراته في كهف العفريت ، وقتله لثعبان ضخم ( لعنت هذا الثعبان في سري وتمنيت لو لدغه وأراحنا منه ) .

لكن الرعب الحقيقي ، وأخوف ما كنا نرتجف منه ، هو التحميلة ، وهي عقاب يقضي بأن تتمدد على الطاولة وترفع قدميك عاليا بشكل متواز ، لينقض عليك الغول بحزامه فينفذ فيك قصاصا ظالما ، تتورم على إثره الأقدام ، ولن يجرؤ أي أحد على الشكوى .

أما إن استغرب أحدكم من عدم تقديم شكوى في حقهما ، أو إبلاغ أولي الأمر ، فببساطة لأن جيلنا آنذاك كان يهاب المعلم لدرجة لا يصدقها أي عقل ، فيكفي أن يمر بحيّك أو تراه في السوق حتى تتملكك رهبة شديدة ، فلا تجرؤ على الشغب أو الحركة .

وتسمر الحكاية إلى موعد آخر إن شاء الله

للاطلاع على الفصول السابقة :

مذكرات مدرسية : الفصل الأول

مذكرات مدرسية : ما أحلى النوم في ليالي البرد القارسة ! ( الفصل الثاني )

مذكرات مدرسية : جرح في الرأس بسبب خطأ في تصويب المعلم القناص ( الفصل 3 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *