الأحد 20 سبتمبر 2020

الفلاح والصياد … والنمط الحائر

بقلم : محمد اسماعيل أحمد – مصر .

 

تتشعب أنماط الحياة اليومية بين الناس بشكل كبير مختلط ومتداخل يصعب على المرء صاحب النظرة العابرة أن يميز بينها أو أن يسبر أغوارها ، إن من يدقق النظر ويحلل الأمور ويحاول أن يقف على أحوال الناس بشيء من التدبر والتأمل يجد أن أنماط الناس في الحياة تتشابك وتتداخل لينتج عنها في نهايتها خطان أو قل نمطان …. نمط الفلاح ونمط الصياد ! نعم لاتتعجب واقرأ المقال لنهايته حتى تعرف السبب فيزول عنك العجب .

أما النمط الأول وهو نمط الفلاح فهو نمط الشخص الذي يركن إلى حالة الاستقرار والنظام اليومي الروتيني المعتاد ، فهو يخرج من بيته في موعد ثابت تقريبا غالبا ما يكون قبيل شروق الشمس ، يركب دابته بعد أن يضع عليها طعامه وشرابه ويتوجه إلى مزرعته أو حقله ، قد يكرر على مسامع نفسه شيئا مما يحفظ من القرآن أو الشعر حتى يصل الى مبتغاه أو أنه يلجأ إلى الصمت والتأمل في زراعات الناس ومعايشهم ، يلقي بالسلام على من يلقى من إخوانه الفلاحين ويداعب آخرين بمزاح مقبول ، ثم إذا انتهى إلى مزرعته أنزل رحله من على دابته وأخذ يتابع عمله اليومي المعتاد في سقي الزرع ووضع العلف للبهائم وحلب الأبقار ……الخ ، حتى إذا انتهت أعماله آخر النهار أخذ يلملم حاجياته ويجمع أغراضه وحوائجه ويركب دابته ليعود لبيته وأولاده .

 

أما صاحبنا الصياد فإن الأمر لا يفرق معه في شيء إن استيقظ مبكرا من نومه أو متأخرا فهو لا يرتبط في عمله بساعة معينة او زمن محدد ، إنه حينما يصحو من نومه يجمع متاعه من الشباك والجرار والأدوات يضعها على مركبته ويتحرك بمجدافي المركب مستعينا بالله ومتوكلا عليه ، لا يدري هل شباكه اليوم تسجل أهدافا ام ان الله يريد لها شيئا اخر ؟ لا يعلم هل تتعاطف معه أمواج البحر اليوم أم أنه سوف يكون طعاما لأسماكه وحيتانه ؟ أسئلة كثيرة تتردد في نفسه تدور حول قضيتين كبيرتين في الحياة قضية الموت والحياة وقضية الرزق ، أما الفلاح فإن أسئلة مثل تلك الأسئلة لا تكاد تطرأ على ذهنه إلا قليلا ذلك أن نمط حياته الرتيب المستقر الهادئ تختلف عن نمط حياة الصياد ذات النمط المغامر المضطرب .

حياة الفلاح مكوناتها تدعوا إلى هدوء النفس وسكونها : زرع أخضر اللون  … أنعام وبهائم وماشية لا يصدر منها الا أصواتها المعروفة لدى البشر جميعا .

أما حياة الصياد فكلها مواقف تدعوا لليقظة والاستعداد والفطنة والسهر : أمواج متلاحقة – حركة القارب المضطربة ، شباك متوثبة ، مجاديف متأهبة ، مستقبل مجهول …. الخ .

لماذا أقول هذا الكلام ؟ لقد وجدت أن حياتنا اليومية المتلاحقة المتضاربة تتشابك في مواقفها وأحداثها لكنها في نهاية المطاف والصراع تنتمي إلى هذين النمطين … نمط الفلاح ونمط الصياد .

ففي نفوس البعض أصحاب النمط الواحد علاقات روحية الهية اكثر من العلاقات الروحية التي تتأكد في نفوس البعض الآخر أصحاب النمط المختلف .

قد أجد فيما أقول شيئا يشبه الألغاز ! أليس كذلك ؟

 نعم ولأضرب لذلك مثلا بسيطا ، فقيمة مثل التوكل على الله إنها علاقة روحية عالية المقام لا يختلف على ذلك أحد ، لكني أجدها تتأكد في نفس الصياد أكثر مما تتأكد في نفس الفلاح ! فالأول يبتغي الرزق والنجاة من الأخطار المحدقة به من كل مكان ، أما الثاني وهو الفلاح فإن نظامه الرتيب المألوف يبتغي به التيسير والعون ، ذلك أن الأول رزقه غير واضح المعالم أما الآخر فهو يعلم مسبقا مقدار رزقه اليومي ولو بشيء من التقدير والتخمين والإجمال .

 

وقس على هذين النمطين أنماط الناس وحياتهم ومعايشهم .

نمط يحب الخلود إلى بيته وسط عائلته و اولاده .

ونمط يعشق الترحال والسفر و السعي والحركة .

 نمط يميل إلى الروتين اليومي المعتاد ، ونمط يكره الرتابة والجمود .

نمط يحب السكون ونمط يعشق الجنون .

نمط يميل إلى التأمل ونمط لا وقت لديه لهذا !

أيها القارئ …… قد أفاجأك إذا قلت لك أن هناك نمطا ثالثا من البشر قد أطلق عليه …. النمط الحائر .

إنه يقف من الفلاح و الصياد موقف أصحاب الأعراف يوم القيامة .

لا يستطيع أن يحدد لنفسه نمطا يسير عليه ويجعله منهاجه في الحياة .

فهو تارة مع الفلاح في سكونه ونظامه الرتيب ، وتارة مع الصياد في جنونه ومغامراته … يعجبه هذا ويستقر إلى ذلك .

يهبط برأسه إلى الأرض وعيناه تتابع حركة الفأس وهي تخاطب الأرض بقوة تارة ويرفع رأسه الى الأفق وهو يترقب اضطراب السماء وتمورها وهي تخرج لسانها إلى البحر تارة اخرى .

يصهل مع الخيل وينبح مع الكلب وينقنق مع الإوز والدجاج تارة ويزمجر مع البحر ويقصف مع الرعد ويبرق مع البرق تارة اخرى .

هذا هو النمط الثالث … النمط الحائر فمن هو صاحب النمط الحائر ؟

إنه حائر بين تراب الأرض وأمواج البحار .

لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء لا يستطيع أن يخط لنفسه في هذه الحياة نمطا يسير عليه وهدفا يتجه إليه .

قد يكون هدفه في الحياة هو السعادة ، أن يشعر بسعادة ما ! 

في أي اتجاه كانت يتجه معها ، وإلى أي قبلة ما يصلي إليها .

إنه لا يدرك أين تكمن سعادته …… في ركوب الموج أم في ضربات الفأس ؟

أحين يرتدي الكون ثوبه الأسود الداكن ويصارع ركلات البحر وقبضاته المميتة ؟ أم حين يرتدي جلبابه الأبيض الناصع الشفيف ويعقد مع الأرض اتفاقية السلام والمحبة .

كم أشعر بالشفقة على صاحب هذا النمط المسكين !

كم يعاني من آلام الحياة ووعثائها ، وكم يقاوم في معترك الحياة وساحة قتالها .

كم من الليالي الطوال لا ترفأ له عين بنوم هادئ مطمئن وهو يكابد صراع الفكر ، ووابل من الخواطر تتنزل على عقله كزخات المطر في ليله المظلم الطويل .

تراني أسمعه وهو يردد قول النابغة :

كليني لهمّ يا أميمة ناصب …. وليل أقاسيه بطيئ الكواكب

تطاول حتى قلت ليس بمنقض ….. وليس الذي يرعى النجوم بآيب

وصدر أراح الليل عازب همه ….. تضاعف فيه الحزن من كل جانب

أعلم تماما أن من يهوى قراءة الأدب ويعشق التأمل في الفلسفة وأفكارها إنما تستريح نفسه إلى هذا النمط ….. إنه يعشقه ويطمئن إليه … يشعر معه بالدفء والطمأنينة و سكون النفس رغم الآلام التي يحدثها في نفسه وروحه .

ورغم الأعاصير التي يخلفها في عقله وفكره .

ورغم الأقاويل التي تتلقاها أذنه من صحبه وزوجه وأهله .

هذه هي حياة الأديب المفكر .

وهذا هو نمط الفيلسوف المتأمل .

وتلك هي سنة الله في خلقه …… ولله في خلقه شئون سبحانه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *