الإثنين 14 أكتوبر 2019
الرئيسية / اللغة العربية / المسألة الزنبورية : المناظرة التي قتلت سيبويه همّا وغمّا !
المسألة الزنبورية

المسألة الزنبورية : المناظرة التي قتلت سيبويه همّا وغمّا !

المسألة الزنبورية ‘ ، ذلك عنوان أشهر مناظرة في تاريخ علم النحو ، جمعت بين إمامين عظيمين ، عالم النحو وأسطورته سيبويه ، وشيخ القراءات وعلوم اللغة الكسائي ، فكيف حدثت هذه المناظرة ؟ ولمن كانت الغلبة ؟

 

سيبويه يتوجه إلى بغداد

 

فيما يروى من مصادر مختلفة ، أن أسطورة زمانه في علم النحو سيبويه قصد بغداد قادما من البصرة ، لقضاء حوائج خاصة به ، وفي رواية أخرى لضائقة مالية جعلته يمر بضيق وشدة ، وحدث أن قصد وزير هارون الرشيد يحيى البرمكي ، فأكرمه وأوسع له ، واستقبله بحفاوة ، وبعد أن طاب المستقر لسيبويه طلب من الوزير ، وفي رواية أخرى عُرض عليه أن يناظر زعيم مدرسة النحو في الكوفة ، العالم الجليل الكسائي ، فوافق على ذلك مسرورا ما دام الغرض من هذه المناظرة الخروج بالعلم والفائدة .

ومن المعلوم أن أشهر مدرستين اختصتا بدراسة وتدريس علم النحو وفنونه ، مدرسة الكوفة بزعامة الكسائي ، ومدرسة البصرة بزعامة سيبويه الذي أثبت نفسه وغزارة علمه بالرغم من كونه شابا يافعا ، ولا عجب من ذلك ، فهو تلميذ العالم الكبير واضع علم العروض ، ومفصّل أسماء البحور الشعرية ، الخليل بن أحمد الفراهيدي . وبالرغم من اختلاف المدرستين في كثير من المسائل النحوية ، إلا أن هدفهم الخالص كان خدمة لغة القرآن .

اجتمع سادة القوم ووجهائهم ، وأمر الوزير يحيى بتوفير أطيب الأماكن ليرتاح العالمين في مناظرتهما ، وبدأت المناظرة …

 

بداية المناظرة

 

في الحقيقة هي مسائل كثيرة ناقشها كل من سيبويه والكسائي ، فأظهر كل واحد منهما براعته ومهارته ، لكن المحور الأهم في المناظرة كلها كان حول ‘ المسألة الزنبورية ‘ ، وهو سؤال وجهه الكسائي لسيبويه قائلا :

الكسائي : كيف تقول : كنتُ أظن أن العقربَ أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي ، أم فإذا هو إياها ؟

/ الزنبور : حشرة تشبه النحلة ولسعتها جد مؤلمة .

فقال سيبويه : فإذا هو هيَ ، ولا يجوز النصب .

الكسائي : لقد أخطأت ، بل الصحيح النصب فنقول : فإذا هو إياها .

وطال النقاش حيث يروي البعض أن سيبويه برع وأجاد في تقديم حججه ودلائله ، إلى أن وصلا إلى سؤال الكسائي حيث قال :

الكسائي : كيف تقول : خرجتُ فإذا عبد الله القائمَ ، أو القائمُ ؟

سيبويه : فإذا عبد الله القائمُ ،  ولا يجوز النصب أيضا .

الكسائي : العرب ترفع ذلك كله وتنصبه كذلك .

 

نهاية غير متوقعة !

وطال الخلاف بينهما والذي دار مجمله على الرفع والنصب وأصل ذلك كله مسألة الزنبور ، فعرض عليه الكسائي أن يتم إحضار مجموعة من الأعراب الأقحاح الذين ينطقون باللغة السليمة فطرة ، فوافق على ذلك ، وهنا نفتح القوس أمام مجموعة من الروايات المختلفة التي يدور بعضها على أن الكسائي وأصحابه أقنعوا الأعراب بأن ينتصروا له ، لكن العلماء الثقاة يكذّبون هذه الروايات نظرا لاسم الإمام الجليل الكسائي الذي وهب حياته للعلم والدراسة ، وبالتالي مستحيل أن يلجأ لمثل هذه الأعمال .

لكن الأرجح أن في الأمر تدخل سياسي من وراء الكواليس جعل أصحاب القصر يقنعون الأعراب بأن يقفوا بصف الكسائي ، وبالفعل حينما وقفوا أمامهما وسألهم عن صحة القول ، رجحوا كفة الكسائي ، فطلب منهم سيبويه أن يؤكدوا ذلك وينطقون الجملة ، فلم تطاوعهم ألسنتهم على ذلك وتهربوا ، وفي ذلك إشارة على أن سيبويه محق .

فلم يكن لسيبويه إلا الإذعان للأمر ، وقبل أن يرحل أعطاه الوزير كيسا مليئا بالمال ، فقصد سيبويه بلاد فارس وفي قلبه شيء كبير من هذه المناظرة ، ولم تمض سوى مدة قصيرة حتى مات ، وبغض النظر عن حيثيات هذه المناظرة أو ماهية المنتصر ، فسيتبين لنا مدى عناية سلفنا بالعلوم والدراسة والتقدم ، لأجل الرقي بالأمة وحضارتها . 

 

أبيات خالدة تذكر المسألة الزنبورية

 

من الأبيات الرائعة التي تذكر المسألة الزنبورية ، ويحفظها طلبة العلم ، تلك التي أوردها القارطاجاني في منظومته ، حيث يقول :

والعُرب قد تحذف الأخبار بعد إذ  *  إذا عنت فجأة الأمر الذي دهما

وربما نصبوا للحال بعد إذا  *  وربّما رفعوا من بعدها ربما

فإن توالى ضميران اكتسى بهما  *  وجهُ الحقيقة من إشكاله غمما

لذاك أعيت على الأفهام مسألة  *  أهدت إلى سيبويه الحتف والغُمما

قد كانت العقرب العوجاء أحسبها  *  قدما أشدّ من الزنبور وقعَ حُما

وفي الجواب عليها هل “إذا هو هي”  *  أو هل “إذا هو إياها” قد اختصما

وخطّأ ابن زياد وابن حمزة في  *  ما قال فيها أبا بشر وقد ظلما

وغاظ عمرا علي في حكومته  *  ياليته لم يكن في أمره حكما

كغيظ عمرو عليا في حكومته  *  ياليته لم يكن في أمره حكما

وفجّع ابن زياد كل منتخب  *  من أهله إذ غدا منه يفيض دما

كفجعة ابن زياد كل منتخب  *  من أهله إذ غدا منه يفيض دما

وأصبحت بعده الأنفاس باكية  *  في كل طرس كدمع سَحَّ وانسجما

وليس يخلو امرؤ من حاسد أضِم  *  لولا التنافس في الدنيا لما أُضما

والغبن في العلم أشجى محنة علمت  *  وأبرحُ الناس شجوا عالم هُضما

قد يعجبك الاطلاع على :

من أشهر المناظرات الأدبية : بديع الزمان يتحدى الخوارزمي بكل ما أوتي من حيلة ودهاء لغوي

تعليق واحد

  1. إدريس محمد عثمان

    موقع رائع ومتميّز بمادته العلمية ويمكن المساهمة فيه لنشر الثقافة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *