الجمعة 15 فبراير 2019
الرئيسية / الأدب العربي / بحث حول العمود الصحفي : تعريف ، خصائص ، نماذج وأمثلة
العمود الصحفي

بحث حول العمود الصحفي : تعريف ، خصائص ، نماذج وأمثلة

بحث حول العمود الصحفي : تعريف ، خصائص ، نماذج وأمثلة

 

لطالما احتل العمود الصحفي حيزا كبيرا في الصحافة ، لما يمتاز به من وصف واقعي ، وأسلوب اجتماعي بسيط ، فضلا عن تنوع أساليب التحرير فيه ، وسنحاول في هذا البحث أن نغطي أبرز المعالم والخصائص التي تشكل أساسيات العمود الصحفي مع تقديم نماذج وأمثلة عنه .

 

تعريف العمود الصحفي

 

العمود الصحفي هو عبارة عن انطباع وحديث شخصي يومي أو أسبوعي لكاتب يوقع باسمه . ولفظ العمود مستعار من التسمية الإنجليزية column التي تفيد نوعا من الكتابة التي ترد شكلا على هيئة عمود من الأعمدة التي تتألف منها صفحات الجرائد .

والعمود الصحفي يمثل فكرة أو رأيا للكاتب ، حول واقعة أو ظاهرة اجتماعية ، أو سياسية أو ثقافية . ذلك أن الغاية الأساسية من هذا الفن المقالي هي ربط القارئ بالكاتب والصحيفة .

 

متى ظهر العمود الصحفي في الصحافة العربية ؟

يرى الباحثون أن العمود الصحفي حديث العهد نسبيا ، ويرجحون ظهوره في أوائل القرن العشرين بمصر ، فقد جاء هذا الفن الصحفي استجابة للتجاوب بين الصحافة وطبقات الشعب المصري بعد ثورة 1919 ، وكان مرآة تعكس الحياة الاجتماعية لمختلف طبقات الشعب ، مسلطا الضوء على كافة القضايا التي تشغل بالهم وأفكارهم بأسلوب يلامس عواطفهم .

 

أنواع العمود الصحفي

 

يتوزع العمود الصحفي إلى صنفين :

1 – الافتتاحية

تكون عبارة عن رأي مؤطر وموجز . وهذا النوع شائع جدا في الصحافة العربية ؛ وهو يميل إلى جنس المقال الإخباري حيث يتناول قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية برأي موجز ومركز لكن يحيط بجميع التفاصيل المتعلقة بموضوع المقال ، ويستدعي هذا النوع التمرس بالكتابة الصحفية ، وامتلاك رؤية واسعة لواقع الحدث .

مثال :

عنوان الافتتاحية : في الإعلام والمحنة ( إسماعيل زاير من جريدة الصباح الجديد العراقية ) .

من يتابع حركة شبكة الإعلام العراقي اليوم ، يجد أنها تختلف كثيرا عن السابق ، ولسنا نريد هنا المقارنة بين أشخاص تولوا العمل في هذه الشبكة ، فلكل أسلوبه وخطته في العمل ، بل ورؤيته له ، وإنما نريد تأشير أمر غاية في الأهمية ، يتمثل بالتفاعل مع الأحداث والتعامل مع التحولات التي باتت سريعة ومتلاحقة ، وبما يجعل أجهزة الإعلام والوكالات أمام واحد من أمرين لا خيار ثالث معهما ، النجاح أو الفشل ، سيما وأن واقع العراق يختلف عن غيره في أي من بلدان العالم .

ثمة في العراق اليوم أحزاب وكتل سياسية متنافرة ، وثمة فيه أيضا أحزاب وحركات دينية إذا نظرت اليها من الخارج ، تجد أنها تنطلق من منطلق واحد ، لكنك إذا تفحصت توجهاتها من الداخل ، لا تجدها متنافرة وحسب ، وإنما تبلغ في بعض الحالات ، حد العدائية .

…………. إلى آخر المقال .

 

2 – الكاريكاتور المحرر

يعد هذا النوع أكثر تمردا من الأول ، وتسوقه انفعالات الكاتب التي تعالج قضية أو قضايا معينة بأسلوب يختلف بين السخرية والتداعي الحر والمفاجأة . لكن نهاية العمود تظل العلامة البارزة فيه ، إن أفلح فيها الصحفي استقام عكسيا معنى ( أو معاني ) النص المقترح للقراءة ، وإن لم يستقم ، ظهرت هشاشة العمود وانهار صرحه .

ومن هنا ندرك أهمية مقولة ” العمود الصحفي نهايته ” . ويتم إخفاء هذه النهاية عن القارئ من أجل قدح شرارة التشويق .

مثال :

عنوان : ضربني وبكى ( رشيد نيني من جريدة الأخبار المغربية ) .

عِوَض تبني مقترح إيطاليا بتوزيع المهاجرين الأفارقة على مجموع الدول الأوربية ، اقترح هؤلاء إنشاء مراكز لإيوائهم في المغرب وتونس ، طبعا المغرب رفض هذه الفكرة ، وهذا من حقه ، لأن الموضوع ينطوي على نفاق وخبث كبيرين ، خصوصا إذا عرفنا أن البلدان الست الأكثر فقرا في العالم تؤوي 51 بالمائة من اللاجئين في حين أن البلدان الست الأكثر غنى في العالم لا تؤوي سوى 5 بالمائة .

ويبقى أفضل جواب عن هذه الدراما الإنسانية التي يشاهدها العالم في نشرات الأخبار حيث تطفو جثث المهاجرين واللاجئين على مياه الشواطئ الأوربية هو ما قالته المغنية الأفريقية أنجيليك كيدجو في بلاطو برنامج ” On n’est pas couché ” على القناة الفرنسية الثانية عندما قالت لزعيم حركة ” انهضي فرنسا ” نيكولا ديبون ، الذي قال إن فرنسا ليست مسؤولة عن مآسي إفريقيا ، إن الحل لوقف زحف المهاجرين واللاجئين الأفارقة نحو فرنسا هو أن تتوقف هذه الأخيرة عن بيع الأسلحة للأنظمة الديكتاتورية بإفريقيا والتوقف عن مساندة الزعماء الأفارقة الدمويين والمستبدين مقابل تغاضيهم عن نهب فرنسا لثروات بلدانهم .

وعندما أشاهد هذا الزحف الكبير على أوربا من طرف مئات المهاجرين واللاجئين يوميا ، أقول إن آخر من يحق له أن يشتكي من هذا الاجتياح هم الأوربيون أنفسهم . فقد ذهبوا بطائراتهم وجيوشهم في حلف الناتو لإسقاط أنظمة دول كانت بمثابة الجدار الأمني الذي يحرس حدودهم واليوم يبكون بسبب اجتياح لاجئي هذه الدول لحدودهم .

…………… إلى آخر المقال .

 

سمات كاتب العمود الصحفي

 

إن كاتب العمود الصحفي شخص متميز باستعداده أن يعرب عن رأيه في كل المواضيع المثارة . والتصاق العمود بالأحداث الجارية مع إهمال المرجعيات ، والتوثيق بالتواريخ والأمكنة ، والإشارة الصحيحة إلى المواضيع المطروقة يجعل العمر الافتراضي للعمود الصحفي قصيرا جدا ، مقارنة مع بقية الأجناس الصحفية الأخرى .

 

كيفية كتابة العمود الصحفي

 

تتميز كتابة العمود الصحفي بـ ” خفة الدم ” ، وهي الوسيلة التي يمكنها أن تجذب القارئ لإقناعه بعبرة يستشفها هو نفسه من خلال البناء المختزل للعمود .

وقد يبتسم القارئ أثناء قراءة العمود ، وهذا ما يعدّه لالتقاط الدرس دون كبير ممانعة . والعمود عدو الأفكار الجاهزة . وصعوبته التي تخلق كذلك سر قوته – تجعل منه جنسا صحفيا غير سهل وممتنع إلا لدى قلة تتفق ملكاتها الشعورية والفكرية والأسلوبية مع هيئته الرشيقة والنافذة في نفس الآن .

ويراعى في اختيار عنوان العمود الصحفي أن يعتمد كاتبه على الإيماء ، والغمز ، والتلميح ، وعنوان العمود الصحفي هو الوحيد الذي لا يمكن إدراك مراميه إلا بالرجوع إلى نص المقال .

 

ما هي خصائص العمود الصحفي ؟

 

1 – ينطبع بشخصية كاتبه .

2 – يتميز بالاختزال والاقتصاد في الكلام .

3 – يميل إلى السخرية ، واستعمال التورية ، والغمزات ، والإشارات الرامزة .

4 – السخرية فيه وسيلة وليس غاية .

5 – تعبيريته مرتفعة .

6 – يشتغل على تداعي الأفكار والإدهاش .

7 – ” العمود الصحفي نهايته ” ( ينبني على نهاية مفاجئة هي مفتاح العمود ) .

8 – ينأى عن الأفكار الجاهزة .

 

نماذج العمود الصحفي

 

نصيحة نورثكليف ( 1 )

على الرغم من أن صديقي عمار يمكن وصفه بالمثقف الشامل ، إلا أنه لم يطلع على ما قاله السير نورثكليف صاحب صحيفة التايمز البريطانية ، وأشهر من أدلوا بدلوهم في مجال الصحافة والإعلام .

فقد سئل نورثكليف عن سبب نجاحه فقال : لقد أدركت ما يرغب فيه الناس فقدمته لهم ، ويقترب التعبير هذا من مقولة شائعة هي ” إن الزبون على حق دائما ” .

لم يدرك صديقي عمار سر النجاح في تطبيق هذه الحكمة إلا بعدما بذل المزيد من الجهد والوقت ، وقدم الكثير من الخسائر .

عمل عمار في شتى المهن البائسة والحرف الصعبة ومع هذا كان شيء ما يشده للعمل في مساطر عمال البناء . لم يفلح في أي مهنة ، ولم يربح في أي تجارة .

قال لي ذات مرة إن على جبينه مكتوب ” لا يصلح إلا للعمل في المساطر ” ، ولا شيء غير ذلك . لكنه وجد في رحلته الشاقة ما بين الأعمال المختلفة عملا جديدا .

اشترى من السيارات الكبيرة التي تقف في أطراف منطقة جميلة أكياسا من النعل الرجالية الخفيفة . حصل عليها بسعر الجملة ، وفرشها على الرصيف بانتظار الزبائن . وطوال ثلاثة أيام لم يبع من بضاعته سوى زوج واحد . وفي اليوم الرابع غاب بائع الشاي القريب منه ، فاضطر للذهاب إلى طرف السوق البعيد لاحتساء الشاي ، فكانت المفاجأة تنتظره هناك .

نصيحة نورثكليف ( 2 )

لقد وجد بائعا يبيع البضاعة نفسها ، تحيطه جمهرة كبيرة من الناس ، لدرجة لا يستطيع تلبية طلباتهم بالشراء . كان النجاح واضحا والنتائج مذهلة . قال صديقي إنه اكتشف السبب بسرعة ، فقد كان واضحا وضوح الشمس ويتعلق بالألوان فقط .

فقد ركز البائع على الألوان الشبابية الخفيفة كالوردي والأصفر السماوي وماشابهها . أما أنا ، يقول عمار : فقد جعلت ذوقي حكما ، فاخترت الألوان الهادئة والغامقة ، ولذلك سارعت بتغيير الألوان ، وبدأت أرباحي تزداد يوما بعد آخر .

لم يعد عمار منذ ذلك اليوم إلى مساطر عمال البناء ، ولم يعد يفكر فيما كُتب على جبينه ، بل سعى لفهم أذواق الناس ورغباتهم حتى أصبح مستوردا ناجحا للكثير من البضائع .

لا عجب ، والحال هذا ، أن تنجح الصحف ووسائل الإعلام التي تكرس بعض مساحتها لعالم الأبراج والتعارف ، وللمسجات وتفسير الأحلام وفنون المكياج وغيرها . فتلك جوانب تحظى باهتمام الكثير من الناس ، ولها فوائد صحية كثيرة ، أولها التخلص من صداع السياسة ! .

مصادر :

– الأجناس الصحفية ( عبد الوهاب الرامي ) .

– فن المقال الصحفي ( عبد العزيز شرف ) .

مواضيع قد تعجبك :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.