الخميس 1 أكتوبر 2020

بحث عن الشاعر ابن الرومي : شاعر الإحساس المرهف والنظرة البائسة

نستقبل اليوم في رحاب موقعنا شاعرا مرهف الأحاسيس ، مقبل على الحياة ، متمرد عليها ، يبكي بحرقة ويفخر باعتداد ، إنه الشاعر ابن الرومي .

 

من هو ابن الرومي ؟

 

هو أبو الحسن علي بن العباس بن جورجيوس المعروف بابن الرومي ، رومي من ناحية أبيه ، فارسي من ناحية أمه ، ولد ببغداد سنة 835 ، ونشأ مولعا بتحصيل العلم ومذاكرته ، الشيء الذي مكنه من اكتساب ثقافة واسعة النطاق .

عاش ابن الرومي حياة يطبعها البؤس والشقاء ، فكان فقره وسوء حظه مدعاة إلى تطيره الدائم ، وتكوّن نظرة سوداوية على الحياة ، وبالمقابل استيقاظ شهوة متأججة عنوانها حب التملك والسيطرة والأطماع الدنيوية .

نُكب ابن الرومي في أسرته ، فمات والده وهو بعد حديث السن ، ولحقه أخوه الأكبر ، والذي كان دائم العون له ، ثم توفي أبناؤه الثلاثة ، وتوفيت زوجته ، عوامل لا شك لم تزد شاعرنا إلا جزعا وتشاؤما .

 

ابن الرومي وعلاقته بذوي الجاه والسلطان

لم يكن ابن الرومي ذلك الشاعر الذي يجيد كسب عطف ممدوحيه من الخلفاء والوجهاء ، إذ كانت طبيعته العصبية الساخطة وغرابة أطواره ، حاجزا يحول بينه وبين التقرب إليهم ، فكانت علاقته بهم جافة .

وإن كان قد اتصل ببعض رجالات الدولة في عهد خلافة المعتضد ، إلا أنه لم ينل منهم ما يملأ رغبته في العيش الرغيد المبني على الإسراف والبذخ ، فكان دائم التشكي والسخط .

وقد سخر به الناس لغرابة أطواره ، وعبثوا به وآلموه ، فسلط لسانه اللاذع عليهم ، وهكذا ظل طوال حياته ، باحثا عن اللذات ، هاجيا كل من تعرض إليه .

 

وفاة الشاعر ابن الرومي

 

عاش ابن الرومي حياته متألما ساخطا ، منغمسا في اللذات ، فشحب وجهه وتجعد ، وتقوس ظهره ، وضعف سمعه وبصره ، وكانت خاتمة تلك المأساة أن مات بالسم سنة 896 ، ويقال أن قاتله هو وزير المعتضد ، أو والد ذلك الوزير ، خوفا من لسان الشاعر .

 

مؤلفات ابن الرومي

 

– ديوان ضخم في الشعر ، وهو متعدد الأغراض والفنون ، ينطوي على عموم أبواب الشعر العربي المعروفة من مدح وهجاء ورثاء وغزل ووصف .

– رسائل نثرية متفرقة .

 

شعر ابن الرومي

 

كان ابن الرومي مرهف الإحساس ، شديد العصبية ، وكان شعره مرآة لشخصيته المتقلبة والمتأثرة بتقلبات الحياة والبشر من حوله ، فخلّف آثارا متفرقة في أغراض شعره .

1 – المدح عند ابن الرومي

لقد كان غرض المدح عند الشاعر ابن الرومي اضطرارا وسبيلا للتكسب ، فتلك كانت الوسيلة المعروفة لشعراء عصره للكسب ونيل الجوائز ، لكن نفس الشاعر المحطمة والمتقلبة ، كانت تحول دون أن ينال تلك الحظوة .

لذا تجد شعر ابن الرومي في هذا الغرض خليطا من الشكوى والتظلم ، محاولا إقناع ممدوحه بجميع الوسائل لإرغامه على العطاء .

إذا ما مدحتُ المرء يوما ولم يثب  *  مديحي وحق الشعر في الحكم واجب

كفاني هجائيه قيامي بمدحه  *  خطيبا وقول الناس لي : أنت كاذب

2 – الهجاء عند ابن الرومي

لسان حاد مسلط كسيف قاطع على رقاب كل من طالتهم نقمة الشاعر ، فقد كان يطمح لحياة زاهية وعيش رغيد يليق بمكانته السامية في نظره ، إلا أنه لم يظفر بشيء من ذلك ، فعانى من الحرمان ، فسخط وهجا .

ثم إنه كان متطيرا ، كثير الاعتقاد بالشؤم في الأشخاص والأشياء ، يهجو كل ما يرى فيه نحسا ، وقد بالغ ابن الرومي في هجائه حتى تفوق على أبرز شعراء هذا النوع من الشعر ، وهذا دليل على اضطراب واختلال في نفسيته ، كما يؤكد النقاد والأدباء .

 

قال في رجل أحدب :

قصُرت أخادعه وغار قذاله  *  فكأنه متربص أن يصفعا

وكأنما صفعت قفاه مرة  *  وأحس ثانية لها فتجمعا

وقال يهجو رجلا بخيلا اسمه عيسى :

يقتّر عيسى على نفسه  *  وليس بباق ولا خالد

فلو يستطيع لتقتيره  *  تنفس من منخر واحد

3 – الرثاء عند ابن الرومي

لقد برز ابن الرومي في هذا الغرض بقوة على الرغم من قلة ما جاد به ، وينقسم رثاؤه إلى قسمان :

رثاء الأهل 

برع في ترجمة ما تعانيه نفسه من مرارة الرحيل ، وألم فقدان الأحباء ، وهو في ذلك إنسان متفطر القلب ، يجعل القارئ يتأثر لعباراته الصادقة .

قال يرثي ابنه محمدا :

بكاؤكُما يشفي وإن كان لا يجدي  *  فجودا فقد أودى نظيركمُا عندي

بُنَيَّ الذي أهدتهُ كفَّاي للثَّرَى  *  فيا عزَّة َ المهدى ويا حسرة المهدي

توخَّى حمَامُ الموت أوسطَ صبيتي  *  فلله كيف أختار واسطة َ العقدِ

رثاء أشخاص مختلفين

تختلف درجة الرثاء وقوته عند ابن الرومي باختلاف المرثيين ، فهو الباكي المتألم على المصاب الجلل إن كان صديقا مقربا ، وهو يبكي حبه الضائع في رثائه لجارية أحبها ، وهو الذي يرثي من قتلوا من ممدوحيه وأصحابه ، ويتوعد ويهدد قاتليهم .

قال يرثي بستان المغنية :

بستان يا حسرتا على زهر  *  فيك من اللهو بل على ثمر

بستان لهفي على حسن وجهك والإحس  *  ان صارا معا إلى العفر

4 – الغزل عند ابن الرومي

الغزل عند ابن الرومي تغلب عليه لغة الشهوة والجسد ، وهو في غزله ينهج نهج الأقدمين في استعاراتهم وتشبيهاتهم المعهودة ، وبالرغم من مجونه الكبير في شعره ، إلا أنه لم يخل من شعر وجداني رقيق يترجم نفسية الشاعر المضطربة .

قال ابن الرومي :

يا خَلِيلَيَّ تَيَّمَتْني وَحيدُ  *  ففؤادي بها معنَّى عميدُ

غادة ٌ زانها من الغصن قدٌّ  *  ومن الظَّبي مُقلتان وجِيدُ

أوقد الحسْنُ نارَه من وحيدٍ  *  فوق خدٍّ ما شَانَهُ تخْدِيدُ

فَهْيَ برْدٌ بخدِّها وسلامٌ  *  وهي للعاشقين جُهْدٌ جهيدُ

5 – الوصف عند ابن الرومي

برع ابن الرومي في غرض الوصف بشكل كبير جدا ، وهذا غالب جدا في ديوانه ، وسبب ذلك عاطفة الشاعر المتأججة والمحملة بحب الحياة والجمال ، وما يملكه من خيال كبير يصف أدق التفاصيل ويبرع فيها .

اتصل الشاعر بالطبيعة وذاب في مكنوناتها ، إذ يعتبرها حياة مرتبطة بحياة الإنسان ، كم يلجأ إليها عند كل هم وحزن يلحق فؤاده .

وأظلمت الدنيا وباخ ضياؤها  *  نهارا وشمس الصحو حيرى على القمم

وأبدى اكتئابا كل شيء علمته  *  وأضعاف ما أبداه من ذاك ما كتم

وقال أيضا :

بلد صحبت به الشبيبة والصبا  *  ولبستُ ثوب العمر وهو جديد

فإذا تمثل في الضمير رأيته  *  وعليه أغصان الشباب تميد

 

ختاما

 

الأحاسيس المرهفة المتقلبة التي لا تخلو من اضطراب وتناقض ، عنوان يلخص فلسفة ابن الرومي في الحياة ، فهو الداعي للتمتع بملذات الحياة والشهوات المادية .

وهو يرى في الشعر عنوانا وبوقا للحقيقة الصارخة ، أما فلسفته الدينية فكانت أيضا تتبع العاطفة التي بدورها تخضع لفلسفة الحياة ، هذا الشذوذ الذي طال شخصيته وشعره ، مرده لطبيعة شخصيته وأصله اليوناني ، وما قاساه في حياته من بؤس وشقاء .

هذه العبقرية مكنته من أن يضع بصمته في صفحات ديوان الشعر العربي ، وتبقى أشعاره خالدة ، ومرجعا لأهل اللغة والأدب ، والتذوق الجمالي لمعاني الألفاظ والتعابير الوجدانية الرقيقة .

مصادر ومراجع :

– تاريخ الأدب العربي ( حنا الفاخوري ) .