الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / بحث عن الشاعر خليل مطران : شاعر القطرين المكافح
بحث عن الشاعر خليل مطران

بحث عن الشاعر خليل مطران : شاعر القطرين المكافح

من بين أعماق الشعر العربي الأصيل ، والشعر التجديدي الحديث ، انبرى في ساحة الشعر العربي شاعر يحمل قلبا مجددا أصيلا ، فكان بحق رائد المدرسة الكلاسيكية الجديدة في الشعر العربي بامتياز ، إنه شاعر القطرين ، مطران خليل مطران .

 

من هو خليل مطران

 

الشاعر الكبير مطران خليل مطران يعتبر أحد أفراد الثالوث العملاق في عالم الشعر الحديث ، إلى جانب الشاعرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم .

ولد سنة 1872 في بعلبك بلبنان لأب مسيحي كاثوليكي ، وأم فلسطينية ، هاجر أبوها إلى لبنان فرارا من اضطهاد الحاكم العثماني له في بلده ، ولها أثر كبير في توجيهه نحو الأدب والشعر حيث كانت والدتها شاعرة ، فورث عنها هذه الصفة .

تلقى مبادئ الكتابة وأصول الحساب في مدرسة ابتدائية بزحلة ، ثم واصل تعلمه بالمدرسة البطريريكية للروم الكاثوليك ببيروت ، ومكث فيها حتى السابعة عشرة من عمره ، حيث نهل فيها اللغة العربية على يد أديب عصره ابراهيم اليازجي ، فاكتسب بذلك ثقافة عربية ممتازة .

وفي هذه المدرسة أيضا استطاع أن ينهل من اللغة الفرنسية ، ويكتسب فنونها وأساليبها ، فجمع بين الثقافتين ( العربية والفرنسية ) ، الشيء الذي نمّى من مواهبه ، واستلفت الأنظار إليه ، وخاصة عندما بدأ ينظم الأشعار ضد العثمانيين المتسلطين على حكم بلاده ، مما جعله يحرز شهرة رجل ثورة يعمل على مقاومة الظلم والاستبداد .

 

رحلة كفاح

 

بعد أن تخرج خليل مطران من المدرسة البطريركية ، بدأ ينظم شعرا ضد الاستبداد العثماني ، وكثيرا ما عرض حياته لخطر الموت جراء ذلك . الشيء الذي جعل أهله يرسلونه إلى باريس ، وهناك عكف على دراسة الآداب الفرنسية ، وأتيح له الاتصال بفريق من رجال الحركة الوطنية التركية من أعضاء حزب ” تركيا الفتاة ” .

كما تعلم بباريس اللغة الإسبانية ، حيث كان يفكر بالسفر إلى الشيلي ، لكن الأقدار كانت تسوقه إلى مصر ، وهي آخر مستقر لخليل مطران ، وبداية لانطلاقته القوية ، فمصر يومئذ كانت ملتقى لطلاب الحرية من العرب .

 

خليل مطران رجل الصحافة والمسرح

 

تزامن قدوم خليل مطران إلى مصر مع وفاة أحد أساتذة المدرسة البطريركية الذي كان يعزه الشاعر ، وهو نفسه مؤسس جريدة الأهرام المصرية ، فحزن عليه حزنا شديدا ، وأثناء مواراة جثمانه التراب ، انطلق الشاعر بصوته الشجي يرثي الفقيد بعبارات بليغة ، أدهشت المشيعين .

وعليه فقد عرض أخ الفقيد على خليل مطران أن يكون محررا في جريدة الأهرام ، وما هو إلا زمن قصير حتى أصبح خليل مطران رجل الصحافة بامتياز ، لما أبان عليه من خبرة في التحرير والكتابة ، وبلاغة في الأسلوب والتعبير ، وصدق في عرض وتحليل الأحداث .

لكن مطران ترك الأهرام بعد تجربة دامت ثماني سنوات ، وقرر أن يؤسس جريدة خاصة به ، حيث أصدر المجلة المصرية  سنة 1900 ، وهي مجلة نصف شهرية ، ثم أصدر مجلة الجوائب ( يومية ) .

ونظرا لما كان له من اطلاع واسع على شؤون المسرح ، عهد إليه بإدارة الفرقة القومية منذ سنة 1938 ، وأدى في سبيل ذلك خدمات كبيرة ، منها عكوفه على ترجمة كثير من الروائع الإنسانية الخالدة ، كمسرحيات ( عطيل – هاملت – ماكبت – تاجر البندقية ) لشكسبير .

 

مرحلة صدمة ويأس

 

اشتهر خليل مطران بخبرته في المجال الاقتصادي والزراعي ، الشيء الذي أهله للتكليف بوضع البرنامج الأساسي لبنك مصر ، كما كان يؤخذ برأيه في بعض ما له علاقة بالشؤون المالية من المذكرات القانونية ، وفي سنة 1912 ضارب بثروته فخسرها ، فكانت الصدمة عنيفة عليه مما جعله يفكر في الانتحار .

وكان تأثير ذلك جلي وواضح في نفسيته وفي أدبه ، سيما وأن مرضه المزمن زاد من سوء وضعه ، وأظلم الدنيا في عينيه ، ولنا في قصيدتي ‘ المساء ‘ و ‘ الأسد الباكي ‘ ، خير مثال للخواطر التي باح بها الشاعر في تلك الفترة .

 

وفاة خليل مطران

 

في ظل الأزمة الخانقة التي حلت بالشاعر اليائس ، جاء الفرج ببشرى تعيينه سكرتيرا معاونا بالجمعية الزراعية الملكية ، فانتظمت شؤونه المادية واستقامت ، فانكب ينسج روائع من قصائد ملحمية لفتت إليه الأنظار ، وسجلت له الإعجاب .

أقيم له سنة 1947 مهرجان أدبي كبير بدار الأوبرا تكريما له واعترافا له بفضله في ميدان الشعر ونصرة القضايا العربية عامة ، وبعد مرور سنتين ، اشتدت عليه وطأة المرض ( النقرس ) ، ففاضت روحه في اليوم الأول من يوليو سنة 1949 ، عن عمر يناهز سبعة وسبعين عاما .

وكان آخر ما قاله لطبيبه : ‘ أنا أعتبر نفسي الآن قد انتهيت ، وإن كنت لا أزال أعيش ، فبقوة الإرادة ، وكل ساعة أحياها تعتبر ليست من حقي ، إنها سرقة موصوفة ! أيها الطبيب ، أريد أن أخلص ، فقد انتهيت ‘ .

 

مؤلفات خليل مطران

 

– بشارة تقلا باشا : أقوال الجرائد – مختارات من أقواله .

– مراثي الشعراء ، في رثاء محمود باشا سامي البارودي .

– التاريخ العام ، 6 أجزاء .

– مرآة الأيام في ملخص التاريخ العام ، جزءان .

– ديوان الخليل ، في أربعة أجزاء .

– الفلاح ، حالته الاقتصادية والاجتماعية .

– الموجز في علم الاقتصاد ، في خمسة أجزاء – ترجمه بالاشتراك مع حافظ ابراهيم .

– ترجمة عدة مسرحيات لشكسبير وغيره أشهرها : عطيل – هاملت – ماكبت – تاجر البندقية .

 

شعر مطران خليل مطران

 

كان خليل مطران إنسانا تطبعه الأخلاق الحسنة ، والتعامل الإنساني الراقي ، فانعكس ذلك على شعره الذي اتصف بالتعمق والتدقيق في التفاصيل ، زد على ذلك انفتاحه الكبير على مختلف الثقافات ، فاكتسب شعره بذلك طابعا حداثيا متصلة خيوطه بعبق الماضي ، فكان رائد مدرسة الكلاسيكية الجديدة في الشعر العربي .

فقد كان على غرار جيل الشعراء المجددين الذين أحدثوا ثورة في الشعر العربي ، مع الأخذ بالحسبان أن خليل مطران كانت ثورته عقلانية في مجملها ، عميقة الدراسة في محكمها ، فهو يؤمن حقا بأن لكل عصر أدبه الخاص ، ويقول في ذلك : ‘ للعرب الأقدمين عصرهم ولنا عصرنا ، ولهم آدابهم وأخلاقهم وحاجاتهم وعلومهم ، ولنا آدابنا وأخلاقنا وحاجاتنا وعلومنا ‘ .

يمكننا أن نعتبر خليل مطران شاعرا مجددا وسطيا ، فنظرته التجديدية للقصيدة العربية كانت تقضي بالخروج على نمط عمود الشعر القديم ، لكن في نفس الوقت لم ينجرف لذلك التيار التجديدي المفرط الذي نادى به شعراء المهجر ، وعلى رأسهم شاعر الثورة جبران خليل جبران ، وشاعر الأمل إيليا أبو ماضي .

يقول في ذلك المؤرخ الأديب حنا الفاخوري : ‘ أراد الخليل أن يكون ابن عصره وأن يكون في صياغته أصيل العروبة ، يخرج عن عمود الشعر الذي انقاد له أحمد شوقي وحافظ ابراهيم ، ويبتعد عن التحرر المفرط الذي نادى به شعراء المهجر ، فيسلك طريقا جديدة فيها متانة العبارة ، وسلامة الأسلوب ، وروعة الأداء والصياغة ، وفيها الروح الجديدة ، والحياة الجديدة ، والحضارة الجديدة ‘ .

 

خليل مطران شاعر الوجدان والألم

 

يكفي أن تطلع على شعر خليل مطران ، وستجده يفوح بعبق من الهدوء والسكينة التي تغشاها عاطفة جياشة ، وأحاسيس خافقة ، فهو الشاعر الثائر على الظلم والاستبداد ، المدافع عن حق قضية وطنه وشعبه وأهله ، وهو المريض المتألم ، الذي عانى من قسوة مرض الجسد ، وصدمات متلاحقة حلت بماله وأصدقائه وحياته ككل ، مما تمخض عن هذا الألم ، شعر نابض يخفق عاطفة واختلاجات مفجعة .

متفرد بصبابتي ، متفرد  *  بكآبتي متفرد بعنائي

ثاو على صخر أصم ، وليت لي  *  قلبا كهذي الصخرة الصماء

ينتابها موج كموج مكارهي  *  ويفتّها كالسقم في أعضائي

 

خليل مطران شاعر القصص الملحمية

 

يعتبر خليل مطران أول شاعر يعنى بالشعر الملحمي القصصي ، بشكل لم يسبقه إليه أحد ، فإن كان الشعر الملحمي مقيدا بأغراض محددة كالغزل والمدح في ما مضى ، ولم يتجاوزها إلى الأسلوب القصصي ، وهو الشيء الذي اهتم به شاعر القطرين ، حيث عنى بالملحمات الشعرية البطولية ، ذات الأغراض الوطنية القومية .

/الملحمة : شعر قصصي طويل ، يدور حول البطولات والمعارك ، بأسلوب شعبي حافل بالخوارق التي تثير الإعجاب ؛ والشاعر فيها قصاص يروي الأحداث ويوجهها ، من دون مشاركة شخصية منه .

ففاجأهم هابط كالقضاء  *  في شكل غض الصبي الأمرد

يدل سناه وسماؤه  *  على شرف الجاه والمحتد

تبين هلكا فلم يخشه  *  وأقدم إقدام مستأسد

فأفرغ نار سداسيّه  * على القوم أيا تصب تقصد

وضارب بالسيف يمنى ويسرى  *  فأين يصب مغمدا يغمد

 

خليل مطران شاعر الدراما المسرحية

 

لقد اهتم الشاعر خليل مطران بالدراما الشعرية مثلما اهتم بالشعر الملحمي ، بل حاول أن يحاكي تجربته الملحمية على الشعر الدرامي ، وفي ذلك يقول حنا الفاخوري : ‘ ومن حسنات خليل مطران أنه أدخل على الشعر العربي فن الدراما …وآثر أن يعالج الدراما كما عالج الملحمة ، في غير تقيد بنظام المسرح ، وإن تقيد بنظام السرد ، ونظام السياق ، ونظام الحركة الحياتية في ما يقال وفي ما يفعل ‘ .

– يصور لنا الشاعر مشهد موعد للقاء فتاة بحبيبها خفية ، فيقول :

تختال في أثوابها السوداء  *  عن قطعة تمشي من الظلماء

طورا تظل وتارة تتعثر  *  وفؤادها متفزع متطير

وتكاد ، إن لمحت إشارة نور  *  تنحل مثل غياهب الديجور

 

خليل مطران شاعر الطبيعة الحالم

 

لقد انغمست روح الشاعر في الطبيعة الساحرة ، فكان يتحدث بلسانها ، ويناجي أسرارها ، فيبدع في خلق المشاهد والأحداث ، ويبرع في وصف تجليات الطبيعة ، التي ترجمتها أحاسيسه الرقيقة ، ورؤيته العميقة للأشياء ، والتي طغى عليها الألم والحزن ، فكان ينتظر قدره المحتوم الذي يرسم في الأفق علامات من التشاؤم  .

يا للغروب وما به من عبرة  *  للمستهام وعبرة للرائي

أوليس نزعة للنهار ، وصرعة  *  للشمس بين جنازة الأضواء

أوليس طمسا لليقين ، ومبعثا  *  للشك بين غلائل الظلماء

 

مختارات من أشعار خليل مطران

 

سجدوا لكسرى إذ بدا إجلالا  *  كسجودهم للشمس إذ تتلالا

يا أمة الفرس العريقة في العلا  *  ماذا أحال بك الأسود سحالا

كنتم كبارا في الحروب أعزة  *  واليوم بتّم صاغرين ضئالا

……………..

ايه آثار بعلبك سلام  *  بعد طول النهار وبعد المزار

ذكريني طفولتي وأعيدي  *  رسم عهد عن أعيني متوارى

يوم أمشي على الطلول السواجي  *  لا افترار فيهن إلا افتراري

……………..

داء ألمّ فخلت فيه شفائي  *  من صبوتي فتضاعفت برحائي

يا للضعيفين استبدا بي وما  *  في الظلم مثل تحكم الضعفاء

قلب أذابته الصبابة والجوى  *  وغلالة رثت من الأدواء

……………..

شردوا أخيارها بحرا وبرا  *  واقتلوا أحرارها حرا فحرا

إنما الصالح يبقى صالحا  *  آخر الدهر ويبقى الشر شرا

كسروا الأقلام هل تكسيرها  *  يمنع الأيدي أن تنقش صخرا

قطعوا الأيدي هل تقطيعها  *  يمنع الأعين أن تنظر شزرا

أطفئوا الأعين هل إطفاؤها  *  يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا

أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم  *  وبه منجاتنا منكم فشكرا

……………..

دعوتك أستشفي إليك فوافني  *  على غير علم منك أنك لي آسي
 
فإن ترني والحزن ملء جوانحي  *   أداريه فليغررك بشري وإيناسي
 
وكم في فؤادي من جراح ثخينة  *  يحجبها برادي عن أعين الناس
 

مراجع ومصادر :

تاريخ الأدب العربي الحديث ( حنا الفاخوري ) .

– خليل مطران الشاعر ( ميشال جحا ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *