الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / بحث عن الشاعر زهير بن أبي سلمى : حكيم الشعراء الذي أشاد به الفاروق عمر
زهير بن أبي سلمى

بحث عن الشاعر زهير بن أبي سلمى : حكيم الشعراء الذي أشاد به الفاروق عمر

نقف بكم اليوم عند شاعر الحكمة بامتياز ، شاعر أعطى لكل ذي حق حقه ، فلم يمدح لطمع ، ولم يذم لحقد ، بل كان يبحث عن الحقيقة ، ناهيك عن صفات الرزانة والتعقل التي كان يمتاز بها ، إنه شاعر الشعراء زهير بن أبي سلمى .

 

من هو زهير بن أبي سلمى ؟

 

هو زهير بن أبي سُلمى ربيعة من مزينة المضرية ، ولد بنجد نحو سنة 530 ، وعاش وسط الحرب الطويلة داحس والغبراء ، فكان يتنقل بين قبيلتي غطفان وذبيان ، وتزوج من امرأتين ، الأولى تدعى أم أوفى ، وهي التي يذكرها كثيرا في شعره ، والتي طلقها بسبب عقمها ، وفي رواية أخرى أنها ولدت له أولادا ماتوا جميعا .

أما المرأة الثانية فتدعى كبشة بنت عمار ، والتي ولدت له الشاعران كعب وبجير ، كما يذكر أن لزهير أختين تقرضان الشعر أيضا ، وبالتالي فنحن أمام عائلة يسري الشعر في عروقها ، فلا عجب أن تفجرت فيهم هذه الموهبة .

 

حياة زهير بن أبي سلمى

 

عاش زهير في سعة من الرزق مما ورثه عن أخواله ، لكن باب العطاء الوافر كان لهرم بن سنان ، وهو سيد شريف ، كان من أوائل المصلحين بين قبيلتي عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء ، فدفع الديات عنهم ، ونال قدرا كبيرا من المديح من زهير ، فكان يكرمه ويبالغ في ذلك لدرجة أن زهير نفسه خجل من ذلك .

ومما يروى في هذا الشأن أن هرم بن سنان حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ، ولا يسأله إلا أعطاه ، ولا يسلم عليه إلا أعطاه وأكرمه ، فاستحيا زهير من ذلك كثيرا ، فكان إذا رآه في مجمع ، سلّم زهير قائلا : عموا صباحا غير هرم ، وخيركم استثنيت .

 

شعر زهير بن أبي سلمى

 

خلّف زهير باقة من التحف وروائع القصائد ، جمعت في ديوان مشهور ، وأغلب قصائده تدور في المدح والفخر بمحاسن الأخلاق والتفكر في الحياة ، كما انطوى بعضها في القليل من الهجاء ، لكن أجود ما تركه شاعر الحكمة هي معلقته الخالدة ، ويلاحظ أن زهيرا يعد مدرسة شعرية بحق ، فلم يكن يحيط الشعر بنفسه فقط ، بل تعداه تلقينا وتعليما لابنيه جبير وكعب ، وتلميذه الحطيئة كذلك ، وهذه لاشك أسماء ثقيلة تركت بصمة واضحة في ديوان الشعر العربي .

بل يكفيه شهادة وحكم الناقد الكبير في الشعر ، والعالم الكبير في أصول الكلام ، إنه فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ، فقد روى ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : ‘ خرجت مع عمر في أول غزاة غزاها ، فقال لي ذات ليلة : يا ابن عباس : أنشدني لشاعر الشعراء . قلت : ومن هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : ابن أبي سلمى . قلت : وبما صار كذلك ؟ قال : لأنه لا يتبع حوشيّ الكلام ، ولا يعاظل من المنطق ، ولا يقول إلا ما يعرف ، ولا يمتدح الرجل إلا بما يكون فيه ‘ .

يقول ابن رشيق القيرواني – وهو من أبرز نقاد القرن الخامس – عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ‘ أنه :كان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة ‘ .

وفي معرض آخر يتعجب الخليفة عمر رضي الله عنه من معرفة زهير وتفصيله للحقوق ، وذلك في البيت الشهير الذي أخذ به زهير لقب قاضي الشعراء ، وهو :

فإن الحق مقطعه ثلاث  * يمين أو نفار أو جلاء

 

معلقة زهير بن أبي سلمى

 

من أجود ما قاله الشاعر الحكيم زهير ، وهي قصيدة ميمية من البحر الطويل تقع في نحو ستين بيتا ، والباعث على نظمها هي مناسبة الصلح الذي تم بين قبيلتي عبس وذبيان بعد انتهاء حرب السباق الطاحنة داحس والغبراء ، فمدح أصحاب الفضل في دفع ديّات القتلى وعقد الصلح ، ومنهم السيد الشريف هرم بن سنان ، والحارث بن عوف ، وفتح باب قصيدته لروائع خالدة من الحكم البليغة التي تشيد بالصلح والمصلحين ، وتحذر من الحقد والكائدين ، ورسم طريق سعادة الإنسان بأبيات جعلت قصيدته تستحق بجدارة أن تكون من المعلقات السبع المشهورة . وسنخصص إن شاء الله موضوعا مستقلا نتناول فيه معلقة زهير بن أبي سلمى ببعض من الشرح والتفصيل .

 

روائع من شعر زهير بن أبي سلمى

 

نبتدأ بمطلع معلقته :

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم  *   بحومانة الدراج فالمتثلم

ديار لها بالرقمتين كأنها   *   مراجع  وشم في نواشر معصم

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش  *  ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
 
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله  *  ولكنني عن علم ما في غد عم
 
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب  *  تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
 
ومن لم يصانع في أمور كثيرة   *    يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
 
الود لا يخفى وإن أخفيته  *  والبغض تبديه لك العينان
 
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه  *  وإن يرقى أسباب السماء بسلم
 
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه  *  يهدّم ومن لا يظلم الناس يُظلم
 
فلا تكتمن الله مافي نفوسكم  *  ليخفى ومهما يُكتم الله يعلم
 

يؤخر فيوضع في كتاب فيُدخّر  *  ليوم الحساب أو يعجّل فينقم

 
ولا تكثر على ذي الضعف عتبا  *  ولا ذكر التجرم للذنوب
 
ولا تسأله عما سوف يبدي  *  ولا عن عيبه لك بالمغيب
 
متى تك في صديق أو عدو  *  تخبرك الوجوه عن القلوب

وفاة زهير بن أبي سلمى

 

توفي زهير نحو سنة 627 ، عن عمر يناهز المائة ، وذهب البعض إلى أنه من الشعراء المخضرمين الذين أدركوا الإسلام ، لكن كبار المؤرخين أمثال شوقي ضيف يفنّدون ذلك ، حيث يقول : ‘ …ويظهر أنه عمّر طويلا ( أي زهير ) إذ يقال في بعض الروايات أنه أدرك الإسلام وله مائة سنة ولم يسلم ، ولكن إدراكه الإسلام غير صحيح ، إنما الصحيح أنه مات قبيل الإسلام بمدة قليلة ، والذي أدرك الإسلام حقا ابناه بجير وكعب ‘ .
 
ويرى نفس المؤرخ أن زهيرا ربما كان من الذين لم يؤمنوا بالأوثان في الجاهلية ، على اعتبار صحة البيتين التاليين كدليل :
 
فلا تكتمن الله مافي نفوسكم  *  ليخفى ومهما يُكتم الله يعلم
 
يؤخر فيوضع في كتاب فيُدخّر  *  ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
 
وعلى كل حال ، فلا يختلف أي شخص على أن الشاعر الحكيم زهير يعد بحق علما وفحلا من فحول الشعراء الذين أثروا رصيد الشعر الجاهلي بروائع خالدة ، وتعتبر قصائده من الحوليات ، حيث كان يرصد لها حولا كاملا ينقح أفكاره ويجيد صياغة كلامه حتى تظهر قصيدته كعروس بهية وضاءة .
 
شاعر ورث أبناؤه وتلامذته ملكة الشعر عنه ، وعلى رأسهم صاحب البردة كعب بن زهير ، وملك الهجاء الحطيئة ، ونختم بشهادة الأديب والفقيه المحدّث ابن قتيبة ، حيث يقول : ‘ إن زهيرا كان يتألّه ويتعفف في شعره ؛ وقد نظر إليه المؤرخون نظرة احترام ، ونظر إليه أبناء زمانه نظرة تجلّة ، وانقاد له أبناء قبيلته على أنه سيد من أسيادها ‘ .
مراجع :
 
– تاريخ الأدب العربي ( شوقي ضيف ) .
 
– تاريخ الأدب العربي ( حنا الفاخوري ) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *