الأحد 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / بحث عن الشاعر عنترة بن شداد : فارس بني عبس العاشق المغوار
عنترة-بن-شداد

بحث عن الشاعر عنترة بن شداد : فارس بني عبس العاشق المغوار

 

كم مهمهٍ قفرٍ بنفسي خضته        ومفاوز جاوزتها بالأبجر

كم جحفل مثل الضباب هزمته        بمهند ماض ورمح أسمر

كم فارس بين الصفوف أخذته        والخيل تعثر بالقنا المتكسر

ينبري الغبار على وقع حوافر فرس شامخ يركبه فارس أشد شموخا ، أسود اللون ، أبرق العينين ، واثق الخطى يمشي ملكا ، ومتأبطا سيفا حساما قاطعا ، وقد دوّى بصرخة الفرسان المتحررين من قسوة العبودية ،مناديا بأعلى صوته :

كم فارس غادرت يأكل لحمه              ضاري الذائب وكاسرات الأنسر

أفري الصدور بكل طعن هائل              والسابغات بكل ضرب منكر

إنه فارس الشعراء عنترة بن شداد .

قبل أن نتطرق لسيرة هذا الشاعر فأغلبكم على الأرجح قد رسمت في ذاكرته صورة الممثل المصري الراحل فريد شوقي ، والذي جسد دور عنترة بن شداد في الفيلم المصري المعروف ، وأشيد ببراعته في تشخيص الدور وقسوة ملامحه .

 

من هو عنترة بن شداد

 

هو عنترة بن شداد العبسي المضري ، ولد في بلاد نجد حوالي سنة 525 م ، لأب شريف من قبيلة عبس ، وأم سباها شداد في إحدى غاراته ، وتدعى زبيبة ، وكانت سوداء اللون ومنها ورث عنترة سواده .

نشأ عنترة عبدا راعيا ، وتلك عادة جاهلية أصيلة ، فأبناء الإماء لا ينسبون إلى آبائهم إلا إذا أثبتوا بسالة وبطولة ترفع قدرهم ومنزلتهم ، وقد عاش عنترة يحارب عبوديته آملا في الحرية والشرف الرفيع .

أولى بوادر الحرية

 

كان عنترة قوي الهيئة ، حاد البصر ، يصرخ فيبث في قلوب خصومه الرعب ، ولهذا بالرغم من كونه عبدا فقد كانت له هيبة وقوة ، فلا يستطيع الناس أن يعتدوا عليه .

وحدث ذات يوم ، أن أغارت إحدى القبائل على عبس وسرقت إبلهم ، فهرع شداد إلى عنترة حيث كان مستلقيا على هضبة يشاهد ما يحدث ، فدعاه أبوه إلى أن يدافع عنهم ، فقال جملته المشهورة : العبيد لا تحسن الكر والفر ، بل تحسن الحلاب والصر .

عندها أدرك أبوه منزلة وقدر عنترة فوعده أن يمتعه بحريته ويفخر به ، عندها انطلق عنترة كسهم يشق غبار الظلمة الحالكة بنور الخلاص والشجاعة والإقدام ، فقهر العدو بكل قوة ، وتمكن من استرداد الإبل ، فأضحى عنترة فارس عبس المغوار ، الذي يدافع عن حمى قبيلته ، بسيفه القاطع .

عنترة بن شداد الفارس المغوار

 

وما إن عرف عنترة بالشجاعة والإقدام ، حتى صارت شهرته تبلغ القاصي والداني ، فأضحى قائدا لكتائب عبس ، يدافع عن معاقلها ، ويغزو أعدائها ، لكن الحدث الذي سيقلب حياته ويجعل سيرته على الألسنة ، هو بسالته الشديدة في حرب داحس والغبراء الشهيرة ، حيث أبلى شجاعة منقطعة النظير ، وأثبت لقومه بل للقبائل والملوك ككل أنه الفارس الأسود الذي يتحدى بسيفه سواد الليل ، وأنياب الأسود ، بل وأعتى الشدائد والكرب .

لكن بالرغم من كل هذا ، إلا أن حساده كانوا دائما يعايرونه بسواده وعبوديته ، وفلح شفته ( تشققها ) ، مما سبب له ألما لازمه طوال حياته .

عنترة بن شداد العاشق الولهان

 

كعادة الشعراء العشاق ، أحب عنترة بنت عمه عبلة ، وقاسى العذاب والشدائد في حبه مثلما قاساه في حروبه ، بل أشد . ومن جملة هذه المصاعب أن عمه كان يأبى من عبد أسود أن يطمع في الزواج من ابنته الشريفة الأصل ، ذات النسب والعفة .

فضلّ عنترة يناجي عبلة بأشعار عذبة رقيقة ، يستعرض فيها شجاعته وبطولاته ، وبأنه يستحق أن يفوز بقلبها ، ويحكي شغفه وتعلقه بها ، وذلك في أبيات تنمّ عن كرامة نفس وأخلاق قلما تميز بها شاعر آخر .

وعموما اختلف الرواة في نهاية قصة عنترة وعبلة ، فمنهم من يقول بأن عم عنترة طلب منه 1000 ناقة مهرا لابنته ، وقد تمكن عنترة من ذلك بعد أن واجه الأهوال والصعاب ، فتاه في الصحاري ، وأسر عند الملك النعمان ، وفي النهاية تزوجها .

بل وتتعدى الروايات ذلك إلى أن عنترة اتخذ أكثر من زوجة ، لكن حسبنا هنا أن نأخذ فقط من المصادر الحيادية الصريحة ، أمثال شوقي ضيف وحنا الفاخوري وغيرهم ممن تحدثوا عن تاريخ الأدب العربي ، أنهم لم يذكروا نهاية قصة العاشقين ، واكتفوا بذكر أن عنترة ضل طوال حياته يتغزل بعبلة وينشد شعرا فيها .

وفي ذلك يقول الدكتور والمؤرخ حنا فاخوري : ومما زاد عنترة ألما أنه أحب ابنة عمه عبلة ، فنفرت منه ونفر بها ذووها لظواهر الشاعر – سواد وفلح شفته – ثم لكونه غير أصيل في عروبته من جهة أمه .

فقضى عنترة حياته يسترضي ابنة عمه ، ويتحبب إليها بذكر مآتيه العظيمة من شجاعة ، وفصاحة ، وكرم أخلاق ، مما يغطي سواد جلده وشوائب نسبه .

شعر عنترة بن شداد

 

اشتهر عنترة بشعر الحماسة والفخر ، ولا عجب في ذلك ، فنحن نقف أمام فارس مقدام يحق له أن يفخر ويزأر كأسد مقبل في بيداء موحشة . كما عرف شعره أبيات جميلة من الغزل العفيف بمحبوبته عبلة ، إذ لم تخلو أي قصيدة من التغني بها ، لكن أشهر ما في شعر عنترة معلقته الخالدة التي مطلعها .

هل غادر الشعراء من متردم     أم هل عرفت الدار بعد توهم

/ أتذكر تحريفي الماكر لهذا البيت في إحدى منشوراتي على الفيسبوك ، وكنت آنذاك غير متقبل لفكرة أن عصر المسنجر سينتهي بدون رجعة ، فكتبت :

هل غادر الناس من مسنجر      أم هل عرفت الفيسبوك بعد توهم

معلقة عنترة بن شداد

 

على أمواج البحر الكامل نظم عنترة معلقته الميمية ، والتي يبلغ عددها نحو 79 بيتا – حسب قول المؤرخين – والباعث على نظمها أن رجلا عاير عنترة بسواده ، وسواد أمه وإخوته ، فأخذ عنترة يحاججه بمكارم أخلاقه وشجاعته ، فطال بهما الحديث حتى قال له الرجل : أنا أشعر منك . فأجابه عنترة وقال : ستعلم ذلك . ثم أنشد معلقته مفصلا فيها مفاخره .

أقسام المعلقة

 

على نهج شعراء عصره بقي عنترة وفيا للقاعدة الشعرية الراسخة ، والتي تقوم على الوقوف على الأطلال ، ووصف النياق ، والفخر والغزل ، وهذا ما سيعاينه المطّلع على القصيدة ، حيث يستهل عنترة معلقته بالوقوف على الديار وذكر الأحبة ومعزة الصحبة ، ثم يذكر محبوبته عبلة ويحسن وصفها ، وبعدها ينتقل إلى وصف الناقة ، لينتقل إلى غرض القصيدة وموضوعها الأساسي وهو الفخر .

هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم           أم هلْ عرفتَ الدارَ بعدَ توهمِ

يا دارَ عَبلَةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمي              وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي

فَوَقَفتُ فيها ناقَتي وَكَأَنَّها                فَدَنٌ لِأَقضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ

فيتغنى شاعرنا بكرم أخلاقه ، وأصالة طبعه وشرفه ، وسخاء يده وعطائه فهو القائل : إني لأحتضر البأس ، وأوافي المغنم ، وأعف عند المسألة ، وأجود بما ملكت يدي .

ثم يبرع في وصف شجاعته في الحروب التي خاضها ، وكان البطل الدائم فيها ، كما يصف فرسه واحترامه له وعطفه عليه .

إنْ تغدفي دوني القناع فانني      طبٌّ بأخذ الفارس المستلــــئم

أثني عليَّ بما علِمْتِ فإنني        سمحٌ مخالقتي إذا لم أظلم

وإذا ظُلمْتُ فإنَّ ظُلميَ باسلٌ      مرٌّ مذَاقَتهُ كَطعم العَلْقم

هَلّا سَأَلتِ الخَيلَ يا اِبنَةَ مالِكٍ      إِن كُنتِ جاهِلَةً بِما لَم تَعلَمي

إذ لا أزالُ على رحالة ِ سابح        نهْدٍ تعاوَرُهُ الكُماة ُ مُكَلَّمِ

يُخبرْك من شَهدَ الوقيعَة َ أنني       أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم

ومدَّججٍ كرِهَ الكُماة ُ نِزَالَهُ              لا مُمْعنٍ هَرَباً ولا مُسْتَسلم

لما رأيتُ القومَ أقبلَ جمعهُم       يتذَامرونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مذَمّم

يدعون عنترَ والرِّماحُ كأنها          أشطانُ بئرٍ في لبانِ الأدهم

والخيلُ تقْتَحِمُ الخَبَارَ عوابساً        ما بين شيْظمة ِ وآخر شيْظم

ذللٌ ركابي حيثُ شئتُ مشايعي      لُبِّي وأجْفزُهُ بِأَمْرٍ مُبْرَمِ

نبذة عن طباع وشخصية عنترة بن شداد

 

لقد كان الفارس الشجاع ، والشاعر البارع مثالا للشخصية الفذة التي تملك عزة وأخلاقا قلما تميز بها شاعر آخر ، وهو بعكس الشاعر الماجن امرؤ القيس ، كان رجلا عفيفا مؤدبا ، ويتحاشى كل مواطن اللهو والدنس ، ولا يتحرش بالنساء ، وفي ذلك يقول :

وأغض طرفي ما بدت لي جارتي         حتى يواري جارتي مأواها

وهو الشاعر العاشق الذي يحمل في قلبه حبا عفيفا طاهرا لحبيبته عبلة ، وبأنه يرغب بها بكامل جوارحه وعواطفه وسكنات قلبه ، فيقول :

ولئن سألت بذاك عبلة خبرت   أن لا أريد من النساء سواها

هذا العشق الذي جعل الشاعر يتألم ويتجرع العلقم ، لما تعرض له من الصد والهجران من عمه ، فكانت عبلة سهلا ممتنعا يجابه عنترة لأجله الأهوال ، ويبكي مرارة الفراق فتسيل أدمعه بكلمات رقيقة حارقة :

وقد أبعدوني عن حبيب أحبه      فأصبحت في قفر عن الأنس نازح

ويقول أيضا :

أعاتب دهرا لا يلين لناصح       وأخفي الجوى في القلب والدمع فاضحي

وهو الشاعر الأبيّ الذي يعتز بشجاعته وبسالته في ساحات القتال ، وهي رسالة يوجهها لكل حاسد ينتقصه لأجل سواد لونه ، فيقول :

إن كنت في عدد العبيد فهمتي      فوق الثريا والسماك الأعزل

وبذابلي ومهندي نلت العلى          لا بالقرابة والعديد الأجزل

اعتقاد خاطئ في نسبة أحد الأبيات لعنترة بن شداد

 

في معرض تجوالي في المواقع والمنتديات العربية ، كثيرا ما أجد بعض الناس ينسبون البيت التالي لعنترة :

مكر مفر مقبل مدبر معا     كجلمود صخر حطه السيل من عل

والأصح أنها  للملك الضليل امرؤ القيس أنشدها في معلقته ، ولا ألومهم في هذا الاعتقاد لأن طبيعة هذه الأبيات تناسب فارسا شجاعا أصيلا ، ومن غيره عنترة يستحق ذلك !

وفاة عنترة بن شداد

 

توفي عنترة نحو سنة 615 م ، وله من العمر ما لا يقل عن تسعين سنة ، وحسب بحثي في المراجع المختلفة ، وجدت أغلبها يتفق على أنه مات قتيلا بسهم أو رمح أحد فرسان قبيلة بني طيء ، التي كان عنترة يُغير عليها دائما .

ولقد أضحت أسطورة الفارس عنترة تجري على الألسن ، وتروى على الكتب ، فنسجت عنها روايات وملحمات كلاسيكية تجسد شحصية الفارس الأسود الذي يتحدى بسيفه كل شديد وصعب ، ويقدم من أجل حبه ما يعجز أي إنسان على الإتيان به .

وإلى جانب ذلك فقد كان أحد فرسان الشعر الجاهلي ، ومن أصحاب المعلقات السبع الخالدة في ديوان الشعر العربي ، فكانت سيرته تمتد في كل زمان ومكان .

 

– للاستمتاع بروائع أشعار عنترة بن شداد ، مع الشرح ، أقترح عليك كتاب ( ديوان عنترة بن شداد ) .

 – لطلب هذا الكتاب ، ما عليك سوى الضغط على الرابط أسفله ، أو على صورة الكتاب ، وسيصلك الكتاب إن شاء الله لغاية منزلك ، في أي مكان في العالم .

 

>>اطلب كتاب ( ديوان عنترة بن شداد ) الآن<<

مراجع ومصادر :

– تاريخ الأدب العربي ( شوقي ضيف )

– تاريخ الأدب العربي ( حنا الفاخوري )

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *