الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / الأدب العربي / تحليل قصة الحمامة والثعلب ومالك الحزين : عندما يجتمع الجبن والدهاء والغرور

تحليل قصة الحمامة والثعلب ومالك الحزين : عندما يجتمع الجبن والدهاء والغرور

‘ ما ضاع حق وراءه طالب ‘ ، حكمة بليغة تبيّن مدى قوة المبدأ والرأي وصحته حينما يكون صاحبه يستحقه ويملكه ، لكن تخيل أن يضيع حقك بسبب جبنك ..بل حُمقك وسذاجتك ! هذا ما ستكتشفونه في قصة الحمامة والثعلب ومالك الحزين .

حمامة جبانة

 

زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة ذاهبة في السماء ، فكانت الحمامة إذا شرعت في نقل العش إلى رأس تلك النخلة ، لا يمكنها ذلك إلا بعد شدة وتعب ومشقة ، لطول النخلة وبعدها ، فإذا فرغت من النقل باضت ثم حضنت بيضها ، فإذا فقست وأدرك فراخها جاءها ثعلب قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه بقدر ما ينهض فراخها ، فيقف بأصل النخلة فيصيح بها ويتوعدها أن يصعد إليها إن هي لم ترم له بفراخها ، فتسلّم له ذلك فورا والخوف قد ملأ قلبها .

فبينما هي ذات يوم قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على النخلة . فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك الحزين : يا حمامة ، ما لي أراك كاسفة البال سيئة الحال ؟

فقالت له : يا مالك الحزين ، إن ثعلباً دهيت به . كلما كان لي فرخان جاء يهددني ويصيح في أصل النخلة ، فأفزع منه فأطرح إليه فرخيّ .

قال لها مالك الحزين : إذا أتاكِ ليفعل ما تقولين فقولي له : لا ألقي إليك فرخيّ ، فارقَ إليّ وغرّر بنفسك . فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخيّ ، طرت عنك ونجوت بنفسي .

ناصح مغفل


فلما علّمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على شاطئ نهر . فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف ، فوقف تحتها ، ثم صاح كما كان يفعل . فأجابته الحمامة بما علمها مالك الحزين .

قال لها الثعلب : أخبريني من علمك هذا ؟

قالت : علمني مالك الحزين .

فتوجّه الثعلب حتى  أتى مالكا الحزين على شاطئ النهر . فوجده واقفا . فقال له الثعلب : يا مالك الحزين إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رأسك ؟

مالك الحزين : عن شمالي .

الثعلب : فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رأسك ؟

مالك الحزين : أجعله عن يميني أو خلفي .

الثعلب : فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل ناحية فأين تجعله ؟

مالك الحزين : أجعله تحت جناحي .

الثعلب  : وكيف تستطيع أن تجعله تحت جناحك ؟ ما أراه يتهيأ لك ؟

مالك الحزين : بلى

الثعلب : فأرني كيف تصنع ؟ فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم الله علينا . إنكن تدرين في ساعة واحدة مثلما ندري في سنة ، وتبلغن ما لا نبلغ ، وتدخلن رؤوسكن تحت أجنحتكن من البرد والريح . فهنيئا لكنّ ، فأرني كيف تصنع ؟

 فأدخل مالك الحزين رأسه تحت جناحه ، فوثب عليه الثعلب ، فأخذه فهمزه همزة ( ضربة )  دقت عنقه . ثم قال : يا عدو نفسه ، ترى الرأي للحمامة ، وتعلمها الحيلة لنفسها ، وتعجز عن ذلك لنفسك ، حتى يتمكن منك عدوك ! ثم قتله وأكله .

تحليل قصة الحمامة والثعلب ومالك الحزين

 

القصة من الكتاب الشهير ‘ كليلة ودمنة ‘ الذي عنى بترجمته الأديب الكبير ابن المقفع ، وهو عبارة عن مجموعة من القصص التي تحمل حكما وأمثالا عميقة لبني البشر ، أبطالها حيوانات ، وتضرب هذه القصة مثل الرجل الذي يرى الرأي لغيره ، ولا يراه لنفسه .

حمامة حمقاء استغل الثعلب بدهائه المعهود سذاجتها ، فهددها بأن يصعد إليها إن هي لم تلقي بفراخها إليه .

جبن الحمامة وخوفها الشديد جعلها تتوهم أن تهديد الثعلب هو قدر محتوم لا مفر منه ، فما كان منها إلا أن تسلّم للحقيقة المؤلمة وتهبه وجبة دسمة في كل وقت وحين .

وهاهو مالك الحزين يقبل على الحمامة المسكينة ويقف على مصيبتها ، وبحكمته المعهودة صوّب تفكير الحمامة وأرجعها إلى جادة العقل والصواب ، وعلّمها فنون الرد والجواب ، وبأن تهديدات الثعلب الماكر لهي الأوهام بعينها ، وأن السبيل الوحيد ليصل إليها هو أن يملك الثعلب جناحين ليطير بهما فيلحقها ، وذلك من سابع المستحيلات !

ففطنت الحمامة وحفظت الدرس كما هو ، فلما جاء الثعلب في موعده ، وتلى وعيده وتهديده ، أجابته الحمامة – والثقة تغمرها – بما علمها مالك الحزين ، فبهت الثعلب وتفاجأ بالتغير المفاجئ في عقلية وتفكير الحمامة الساذجة ، وفطن إلى أن جهات خارجية دخلت على خط الأزمة ، فاستغل غبائها وجعلها تقرّ له بصاحب النصيحة والفكرة .

توجه الثعلب الماكر إلى مالك الحزين وهو متبختر بجناحيه ومشيته على شاطئ النهر ، فوجّه إليه أسئلة في المنطق واختبره . هنا أخذ الغرور مأخذه من مالك الحزين فأعماه عن كل حذر وتريّث ، فكانت سذاجته أشد من صاحبته الحمامة ، فجنى على نفسه وأضحى وجبة دسمة عوّض بها الثعلب فراخ الحمامة .

الناصح المغفل

 

لقب استحقه مالك الحزين بجدارة ، فقد قدم النصيحة للحمامة وأعطاها سبل النجاة وحيلة التخلص من مكر الثعلب ، في حين نسي نفسه ولم يعمل بنصيحته ، فكان ناصحا مغفلا وبشرف . وكأني بالكاتب تعمد هذه النهاية البائسة لمالك الحزين ، وذلك لأخذ العبرة لكل من ينصح غيره ، ولا يرى ذلك لنفسه .

أما الحمامة في مثال لكل مستضعف يؤمن بأن الظلم قدر محتوم ولا يكلف نفسه عناء محاربته أو على الأقل مواجهته .

أما الثعلب الماكر فهو مثال لمن أغواهم الجشع ، فاستغلوا كل الطرق من أجل النهب والسرقة ، والدوس على القيم والمبادئ في سبيل تحقيق أهدافهم .

رسالة عميقة تحملها قصة الحمامة والثعلب ومالك الحزين ، ووجب أخذ العبرة منها والتفكر في حكمها ، وإلا كنا حمائم وثعالب ..أو بالأحرى مالك الحزين !

مصادر :

– كليلة ودمنة ( ابن المقفع ) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *