الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / تحليل قصيدة أبو القاسم الشابي إذا الشعب يوما أراد الحياة
تحليل قصيدة أبو القاسم الشابي إذا الشعب يوما أراد الحياة

تحليل قصيدة أبو القاسم الشابي إذا الشعب يوما أراد الحياة

الحياة إرادة وجهاد ، لا يثبت في ميدانها إلا القوي والصبور ، كما أن الريح تهب في قوة ولا ترتد عن الوعورة وركوب الأخطار وتسلق القمم ، كذلك يجب على الإنسان أن يكون جريئا ، صامدا في وجه الشدائد ، طموحا إلى العلا ، لأن الأرض نفسها تكره الجبناء المتراخين عن تطلّب القمم ، فما بالك بالذين يرضون بالذل والاستعمار .

تلك هي إرادة الحياة والتي ساقها الشاعر التونسي الكبير أبو القاسم  الشابي في إحدى أشهر قصائده المنادية بالحرية والثورة والحياة .

 

قصيدة إرادة الحياة

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة  *  فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي  *  ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ

ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة  *  تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ

كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ  *  وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ

ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج  *  وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ

إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ  *  ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ

ولــم أتخوف وعــورَ الشِّـعاب  *  ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ

ومن لا يحب صعود الجبال  *  يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ

فعجَّــتْ بقلبــي دمــاءُ الشـباب  *  وضجَّــت بصـدري ريـاحٌ أخَـرْ

وأطـرقتُ أصغـي لعزف الرياح  *  وقصف الرعود ووقع المطر

وقـالت لـي الأرض لما تساءل  * تُ : يا أمي هل تكرهين البشر ؟

أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح  *  ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ

وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ  *  ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ

هــو الكــونُ حـيٌّ يحـبُّ الحيـاة  *  ويحــتقر المَيّت المندثر

فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـور  *  ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ

ولــولا أمُومــةُ قلبِــي الــرّؤوم   *  لفرّت عن الميت تلك الحفر

فــويلٌ لمــن لــم تشُــقه الحيـا  *  ة مِــن لعنــة العــدم المنتصِـرْ

وفــي ليلــة مـن ليـالي الخـريف  *  مثقَّلـــةٍ بالأســـى والضجـــرْ

سـألتُ الدُّجـى : هـل تُعيـد الحيـاةُ  *  لمـــا أذبلتــه  ربيــعَ العمــرْ ؟

فلـــم تتكـــلّم شــفاه الظــلام  *  ولــم تــترنَّمْ عــذارى السَّــحَرْ

وقــال لــيَ الغــابُ فــي رقَّـةٍ  * مُحَبَّبَـــةٍ مثــل خــفْق الوتــرْ

يجــئ الشــتاءُ شــتاء الضبـاب  *  شــتاء الثلــوج شــتاء المطــرْ

فينطفــئُ السِّـحرُ  سـحرُ الغصـونِ  *  وســحرُ الزهــورِ وسـحرُ الثمـرْ

ويفنــى الجــميعُ كحُــلْمٍ بــديعٍ  *  تـــألّق فـــي مهجــةٍ واندثــرْ

وتبقــى البــذورُ, التــي حُـمِّلَتْ  * ذخــيرةَ عُمْــرٍ جــميلٍ, غَــبَرْ

وحالمـــةً بأغـــاني الطيـــورِ  *  وعِطْــرِ الزهــورِ وطَعـمِ الثمـرْ

ورنَّ نشـــيدُ الحيـــاةِ المقـــدّ  *  سُ فــي هيكـلٍ حـالمٍ قـد سُـحِرْ

وأعْلِــنَ فــي الكـون : أنّ الطمـوحَ  *  لهيـــبُ الحيــاةِ ورُوحُ الظفَــرْ

إذا طمحـــتْ للحيـــاةِ النفــوسُ  *  فــلا بــدّ أنْ يســتجيبَ القــدر

مصدر قصيدة إرادة الحياة 

 

قصيدة ‘ إرادة الحياة ‘ هي للشاعر التونسي الكبير أبو القاسم الشابي الذي قضى حياته القصيرة كالشمعة ، تنير لغيرها وتحترق هي بالنار ، وللاطلاع على سيرة حياته فقد خصصنا موضوعا مفصلا وممتعا على الرابط أسفله :

معلومات عن الشاعر أبو القاسم الشابي : طائر تونس الحر الخالد

وقصيدته التي بين أيدينا هي من ديوانه ‘ أغاني الحياة ‘ نظمها في 16 سبتمبر سنة 1933 ، وهي من البحر المتقارب ، وهو بحر يصلح للسرد والتعبير عن العواطف الجياشة ، وهذا ظاهر وجلي في أبيات القصيدة . وقد حاولنا أن نختصر قدر الإمكان بعض أبيات القصيدة لطولها .

 

شرح بعض الكلمات

 

– دمدم : تكلم وهو غاضب .

– الفجاج : الطريق الواسع بين جبلين .

– وعور الشعاب : ما عظم من سواقي الأودية .

– كبة اللهب : معظم النار .

الرؤوم : الأم التي تعطف على ولدها .

 

تحليل و شرح  قصيدة إرادة الحياة

 

عرفنا في الموضوع الذي تناول حياة الشاعر أبي القاسم الشابي أنه عاش لأجل مبادئ الثورة والحياة الكريمة ، فكان حريصا على نشر الوعي والقيم الوطنية بين أبناء وطنه ، وحثهم على الثورة ضد المستعمر ، وضد الجهل والتخلف ، وقصيدته ‘ إرادة الحياة ‘ ما هي إلا مثال حي وعنوان عريض تتجلى فيه شخصية الشاعر الطموحة الثائرة .

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة  *  فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي  *  ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ

بيتان يفتتح بهما الشاعر قصيدته ، حيث أكسبا قصيدته من الشهرة والصيت ما بقي أبد الدهر ولم يندثر ، حيث تغنى به الثوار منذ الاستعمار في تونس وإلى يومنا هذا .

يربط الشاعر تحرر أي أمة ونجاتها بعزيمتها وإرادتها في التغيير ، هذا التغيير يلزمه إيمان ويقين ودعاء ، وكأن مفهوم القدر هنا ينطبق على قوله تعالى : ‘ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ‘ ( الرعد 11 ) .

بعدها يظهر الشاعر حكيما يخاطب الكائنات ويصغي لهمسات الطبيعة ، التي تدعو إلى الأمل والتفاؤل والسعي إلى استعادة أمجاد الأمة ، فلعب دور الطبيب المشخص للداء وفي الوقت نفسه وصف العلاج والدواء ، وهذا أسلوب عاطفي يلامس القلوب قبل العقول ، مثلما فعل الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته ابتسم .

كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ  *  وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ

ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج  *  وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ

إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ  *  ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ

ولــم أتخوف وعــورَ الشِّـعاب  *  ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ

ومن لا يحب صعود الجبال  *  يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ

 

شتاء يحمل يأسا وربيع يحمل أملا

 

ويبدع الشاعر في تصوير الحياة التي يعيشها شعبه ، فهي كخريف جاف كئيب يعقبه شتاء بارد شديد ، ويقصد به المستعمر .

وفــي ليلــة مـن ليـالي الخـريف  *  مثقَّلـــةٍ بالأســـى والضجـــرْ

سـألتُ الدُّجـى : هـل تُعيـد الحيـاةُ  *  لمـــا أذبلتــه  ربيــعَ العمــرْ ؟

فلـــم تتكـــلّم شــفاه الظــلام  *  ولــم تــترنَّمْ عــذارى السَّــحَرْ

وقــال لــيَ الغــابُ فــي رقَّـةٍ  * مُحَبَّبَـــةٍ مثــل خــفْق الوتــرْ

يجــئ الشــتاءُ, شــتاء الضبـاب  *  شــتاء الثلــوج شــتاء المطــرْ

فينطفــئُ السِّـحرُ  سـحرُ الغصـونِ  *  وســحرُ الزهــورِ وسـحرُ الثمـرْ

لكن من رحم المعاناة والقهر ينبثق شعاع من الأمل الذي يحيى في البذور التي طمرتها سيول الأمطار العارمة ، فينبت جيل جديد من الثوار الذين يحيون أمجاد الأمة ، ويعيدون لها حريتها . وخلال ذلك يحدث صراع داخلي بين أنا الشاعر وذكرياته ، فلطالما حلم بحياة كريمة تقوم على الحرية والعدل والكرامة ، لكن بوجود ظلام المستعمر فقد بدّد جمالية هذه الأحلام وحوّلها إلى كوابيس وآلام شديدة ، زادها مرض الشاعر الذي أحاطه بهالة من التشاؤم .

لذا نراه يكثر من أسلوب الاستفهام ، وكأني به يربط الماضي بحاضر مجهول ومستقبل أكثر منه غموضا وعبر عنه الشاعر بكلمة ظمأ .

ظمِئـتُ إلـى النـور فـوق الغصونِ  *  ظمِئـتُ إلـى الظـلِ تحـت الشـجرْ

ظمِئـتُ إلـى النَّبْـعِ بيـن المـروجِ  *  ظمِئـتُ إلـى الظـلِ تحـت الشـجرْ

ظمِئـتُ إلـى الكـونِ ! أيـن الوجـودُ  *  وأنَّـــى أرى العــالَمَ المنتظــرْ ؟

ثم يقول الشاعر :

هـو الكـونُ خـلف سُـباتِ الجـمودِ  *  وفـــي أُفــقِ اليقظــاتِ الكُــبَرْ

 

إرادة حياة نابعة من أعماق الشاعر

 

لا بد عزيزي القارئ وأنت تقرأ هذه الأبيات الرائعة ، تلامس الشوق الشديد للشاعر وحنينه لأمجاد وطنه وشعبه ، والبيت الذي بين أيدينا يوضح ذلك وبقوة ، فبالرغم من صراع التشاؤم والأمل ، الشك واليقين ، إلا أنه متأكد أن الأصل دائما ينتصر ويعلو ، لأن تاريخ شعبه راسخ وضارب في الأصالة والقدم ، و لن تستطيع يد الاستعمار أن تئده في ليلة عاتمة .

ولأن أي سبات عميق تعقبه يقظة ونهوض ، وأي جمود وركون تعقبه حركة ونشاط ، فإن الشاعر ينتظر اليقظة الكبرى والتي آثر أن يصيغها جمعا ( اليقظات ) ، لأن القضية قضية شعب بأكمله ، والجمع عصا لا تكسر ، والوحدة قوة لا تقهر ، وعليها يخيب كيد المستعمر .

وفي ختام قصيدته يعود ويكرر الحقيقة التي لا تحجبها أي شمس ، وهي أن أساس مجد أي أمة ، وطبيعة تقدمها ، هي إرادة قوية في التحرر والثورة على الظلم والاستعباد ، ويظهر أسلوب التكرار جليا في كلمة ‘ الحياة ‘ والتي تكررت في القصيدة خمس عشرة مرة ، كما تفوقت على كلمة الموت في ديوانه ككل ، وهذا دليل على تشبت الشاعر بالأمل والحياة ، بالرغم من نظرته التشاؤمية التي طالت حياته .

كما لجأ الشاعر في قصيدته إلى أسلوب التضاد لتصوير مدى الإضطراب الذي تعانيه النفس فيما يعتريها من أهوال وخطوب ، وهذا ظاهر في ألفاظه : ( تنمو – تذوي ) ، ( الحياة – الموت ) ، ( أبارك – ألعن ) ، ( فوق – تحت ) .

 

خاتمة

 

رحل أبو القاسم الشابي عن الحياة تاركا وراءه قصيدة تدعو إلى إرادة الحياة ، فمعه كانت الحياة ثمرة عطاء دائم ومتجدد ، وكان الشعور بها مصدر إلهام فجّر لديه مكامن الإبداع التي أثرت الحركة الأدبية المعاصرة في تونس .

قصيدة طبعت في قلوب الثائرين الأحرار ، الناشدين للأمل والعيش الكريم ، النابذين لكل تعسف وقمع واستبداد ، ولعمري أنها قصيدة وصلت الماضي بالحاضر ومنه للمستقبل ، وانتهت بحكمة بليغة وهي أن استجابة القدر رهينة بالشعب الذي يملك إرادة الحياة .

إذا طمحـــتْ للحيـــاةِ النفــوسُ  *  فــلا بــدّ أنْ يســتجيبَ القــدر

مصادر ومراجع :

– ديوان أبي القاسم الشابي ( شرح أحمد حسن بسج ) .

– أبو القاسم الشابي ، عبقرية فريدة وشاعرية متجددة ( دراسة ومختارات د.سحر عبد الله عمران ) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *