الأحد 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / تحليل و شرح قصيدة المساء للشاعر خليل مطران : حينما تتقاطر الكلمات ألما !

تحليل و شرح قصيدة المساء للشاعر خليل مطران : حينما تتقاطر الكلمات ألما !

 

لطالما تغنى الشعراء بالمساء ، وذهبوا في وصفه مذاهب بعيدة ..لكن قلما رأينا شاعرا يرى في المساء هذه النظرة التأملية العميقة ، والمكتواة بنار الألم والشجون ، مثلما سنراه في موضوعنا ‘ تحليل و شرح قصيدة المساء للشاعر خليل مطران ‘ .

 

قصيدة المساء للشاعر خليل مطران

دَاءٌ أَلَمَّ فخِلْتُ فيهِ شِفَائي  *  من صَبْوَتي ، فتَضَاعَفَتْ بُرَحَائي

يَا لَلضَّعيفَينِ ! اسْتَبَدَّا بي ، ومَا  *  في الظُّلْمِ مثلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ

قَلْبٌ أَذَابَتْهُ الصَّبَابَةُ وَالجَوَى  *  وَغِلاَلَةٌ رَثَّتْ مِنَ الأَدْوَاءِ

وَالرُّوحُ بَيْنَهُمَا نَسِيمُ تَنَهُّدٍ  *  في حَالَيِ التَّصْوِيبِ وَالصُّعَدَاءِ

وَالعَقْلُ كَالمِصْبَاحِ يَغْشَى نُورَهُ  *  كَدَرِي ، وَيُضْعِفُهُ نُضُوبُ دِمَائي

إِنِّي أَقَمْتُ عَلَى التَّعِلَّةِ بالمُنَى  *  في غُرْبَةٍ قَالُوا : تَكُونُ دَوَائي

إِنْ يَشْفِ هَذَا الجسْمَ طِيبُ هَوَائِهَا  *  أَيُلَطِّفُ النِّيرَانَ طِيبُ هَوَاءِ ؟

أَوْ يُمْسِكِ الحَوْبَاءَ حُسْنُ مُقَامِهَا  *  هَلْ مَسْكَةٌ في البُعْدِ لِلْحَوْبَاءِ ؟

عَبَثٌ طَوَافِي في البلاَدِ ، وَعِلَّةٌ  *  في عِلَّةٍ مَنْفَايَ لاسْتِشْفَاءِ

مُتَفَرِّدٌ بصَبَابَتي ، مُتَفَرِّدٌ  *  بكَآبَتي ، مُتَفَرِّدٌ بعَنَائِي

شَاكٍ إِلَى البَحْرِ اضْطِرَابَ خَوَاطِرِي  *  فَيُجيبُني برِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ

ثَاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمََّ ، وَلَيْتَ لي *  قَلْبَاً كَهَذِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ !

يَنْتَابُهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ مَكَارِهِي  *  وَيَفتُّهَا كَالسُّقْمِ في أَعْضَائي

وَالبَحْرُ خَفَّاقُ الجَوَانِبِ ضَائِقٌ  *  كَمَدَاً كَصَدْرِي سَاعَةَ الإمْسَاءِ

تَغْشَى البَرِيَّةَ كُدْرَةٌ ، وَكَأَنَّهَا  *  صَعِدَتْ إلَى عَيْنَيَّ مِنْ أَحْشَائي

وَالأُفْقُ مُعْتَكِرٌ قَرِيحٌ جَفْنُهُ  *  يُغْضِي عَلَى الغَمَرَاتِ وَالأَقْذَاءِ

يَا لَلْغُرُوبِ وَمَا بهِ مِنْ عِبْرَةٍ  *  لِلْمُسْتَهَامِ ! وَعِبْرَةٍ لِلرَّائي !

أَوَلَيْسَ نَزْعَاً لِلنَّهَارِ ، وَصَرْعَةً  *  لِلشَّمْسِ بَيْنَ مَآتِمِ الأَضْوَاءِ ؟

أَوَلَيْسَ طَمْسَاً لِلْيَقِينِ ، وَمَبْعَثَاً  *  لِلشَّكِّ بَيْنَ غَلائِلِ الظّلْمَاءِ ؟

أَوَلَيْسَ مَحْوَاً لِلوُجُودِ إلَى مَدَىً  *  وَإِبَادَةً لِمَعَالِمِ الأَشْيَاءِ ؟

حَتَّى يَكُونَ النُّورُ تَجْدِيدَاً لَهَا  *  وَيَكُونَ شِبْهَ البَعْثِ عَوْدُ ذُكَاءِ

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالنَّهَارُ مُوَدِّعٌ  *  وَالقَلْبُ بَيْنَ مَهَابَةٍ وَرَجَاءِ

وَخَوَاطِرِي تَبْدُو تُجَاهَ نَوَاظِرِي  *  كَلْمَى كَدَامِيَةِ السَّحَابِ إزَائي

وَالدَّمْعُ مِنْ جَفْني يَسِيلُ مُشَعْشَعَاً  *  بسَنَى الشُّعَاعِ الغَارِبِ المُتَرَائي

وَالشَّمْسُ في شَفَقٍ يَسِيلُ نُضَارُهُ  *  فَوْقَ العَقِيقِ عَلَى ذُرَىً سَوْدَاءِ

مَرَّتْ خِلاَلَ غَمَامَتَيْنِ تَحَدُّرَاً  *  وَتَقَطَّرَتْ كَالدَّمْعَةِ الحَمْرَاءِ

فَكَأَنَّ آخِرُ دَمْعَةٍ لِلْكَوْن ِ قَدْ  *  مُزِجَتْ بآخِرِ أَدْمُعِي لرِثَائي

وَكَأَنَّني آنَسْتُ يَوْمِي زَائِلاً  *  فَرَأَيْتُ في المِرْآةِ كَيْفَ مَسَائي

معجم كلمات قصيدة المساء

 

الصبوة : الميل في نفس الفتى .

البرحاء : شدة الأذى .

الضعيفان : هما المرضان اللذان تكلم عليهما ، وقد كنا عنهما بالقلب والغلالة .

الصبابة : الولع الشديد .

الجوى : حرقة الحب الشديد .

الغلالة : ما يلي الجسد من الثياب .

التصويب والصعداء : الشهيق والزفير .

الحوباء : الروح .

كدرة : سواد .

الأقذاء : جمع قذى وهو ما يدخل العين من قشة أو تراب ، وقد عنى بها الشاعر الهموم والجروح .

ذكاء : من أسماء الشمس .

كلمى : مجروحة .

مشعشعا : ممزوجا .

 

شرح أبيات قصيدة المساء لخليل مطران

 

لقد عشنا كلمات تكاد تتفجر لوعة وأحاسيس اختلطت بالحنين – الذكرى – الألم ، مع قصيدة المساء لشاعر القطربن خليل مطران ، والذي خصصنا له موضوعا عن حياته ، يمكنكم الاطلاع عليه في الرابط أسفله :

– مطران خليل مطران : شاعر القطرين المكافح .

قصيدة المساء من ديوان الخليل ، والتي حاولت أن أختصر فيها ، ولا أنقلها كاملة ، لسهولة الاطلاع عليها في أي ديوان أو كتاب أو موقع ، من بحر الكامل ، أما القافية فهمزية الروي مردوفة موصولة بمد .

لقد حاول الشاعر خليل مطران أن يرى في المساء ، ذلك الحلم الرهيب ، وتلك الصورة التي تمثل نفسه المثقلة بالهموم والمرض ، ولا شك أنه تعمد المقابلة ، إذ اختار لقصيدته عنوان ‘ المساء ‘ وخص مطلعها بالكلام على نفسه .

شاعر مريض

دَاءٌ أَلَمَّ فخِلْتُ فيهِ شِفَائي  *  من صَبْوَتي ، فتَضَاعَفَتْ بُرَحَائي

يَا لَلضَّعيفَينِ ! اسْتَبَدَّا بي ، ومَا  *  في الظُّلْمِ مثلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ

هناك داءان داء قديم ( مرض القلب ) وآخر جديد ( الهوى وميل النفس ) ، وقد ظن الشاعر أن الجديد سيدفع القديم ويشفيه منه ، لكن سرعان ما خاب ظنه ، إذ تضاعفت آلامه ، واشتدت أوجاعه .

يَا لَلضَّعيفَينِ ! اسْتَبَدَّا بي ، ومَا  *  في الظُّلْمِ مثلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ

قَلْبٌ أَذَابَتْهُ الصَّبَابَةُ وَالجَوَى  *  وَغِلاَلَةٌ رَثَّتْ مِنَ الأَدْوَاءِ

وَالرُّوحُ بَيْنَهُمَا نَسِيمُ تَنَهُّدٍ  *  في حَالَيِ التَّصْوِيبِ وَالصُّعَدَاءِ

وَالعَقْلُ كَالمِصْبَاحِ يَغْشَى نُورَهُ  *  كَدَرِي ، وَيُضْعِفُهُ نُضُوبُ دِمَائي

وصف الشاعر قلبه وجسمه بالضعيفين المستبدين به ، وما أنكره من ظلم واستبداد ، قلب عليل مثقل بالجراح ، وجسد هزيل أنهكته الأمراض ، والروح بينهما معذبة تنشد الخلاص ، بل حتى العقل أصبح كالمصباح تخفت أنواره هي الأخرى جراء شدة المرض .

رحلة الغربة

إِنِّي أَقَمْتُ عَلَى التَّعِلَّةِ بالمُنَى  *  في غُرْبَةٍ قَالُوا : تَكُونُ دَوَائي

بعد أن انتهى خليل مطران من وصف أمره واضطرابه بين جرحين ، أحدهما في القلب والآخر في الجسد ، انتقل إلى وصف حاله في الغربة ، حيث اقترح عليه أن يسافر قصد الاستشفاء ، لكن الشاعر يرى أن رحلة الاستشفاء ما هي سوى رحلة جحيم يذكي نار مرضه ويزيد ألمه اعتصارا .

مُتَفَرِّدٌ بصَبَابَتي ، مُتَفَرِّدٌ  *  بكَآبَتي ، مُتَفَرِّدٌ بعَنَائِي

شَاكٍ إِلَى البَحْرِ اضْطِرَابَ خَوَاطِرِي  *  فَيُجيبُني برِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ

ثَاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمََّ ، وَلَيْتَ لي *  قَلْبَاً كَهَذِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ !

على صخرة صماء في المساء جلس الشاعر وحيدا ، يصف نفسه بالتفرد بالحزن والكآبة والعناء ، وهذا تعبير عن مدى اليأس الذي وصلت إليه نفسية الشاعر المتألمة .

غروب يرسم لوحة النهاية

يَا لَلْغُرُوبِ وَمَا بهِ مِنْ عِبْرَةٍ  *  لِلْمُسْتَهَامِ ! وَعِبْرَةٍ لِلرَّائي !

أَوَلَيْسَ نَزْعَاً لِلنَّهَارِ ، وَصَرْعَةً  *  لِلشَّمْسِ بَيْنَ مَآتِمِ الأَضْوَاءِ ؟

لقد أبدع الشاعر في تصويره للغروب ، إذ أخرج كل ما في نفسه من أحاسيس وتصورات ، اقتضتها حالة الشاعر ، ومنظر الغروب ، إذ يرى فيه حكما ومواعظ ، ساقها الشاعر في لوحات زاهية حلقت بنا إلى جو رفيع ، وهذا إن دل على شيء ، فإنه يدل على سعة خيال الشاعر ، ومقدرته الكبيرة في التصوير .

وَالشَّمْسُ في شَفَقٍ يَسِيلُ نُضَارُهُ  *  فَوْقَ العَقِيقِ عَلَى ذُرَىً سَوْدَاءِ

وصف الشاعر خليل مطران رحلة الشمس نحو المغيب وصفا مبهرا وجميلا ، كان من ضمنه أنها تقطرت كالدمعة الحمراء وقد امتجزت بمدامعه لترثيه ، فكانت آخر دمعة للكون ، شكلت ارتباطا متناغما ، رسم لوحة نهاية حياة الشاعر بنهاية النهار .

 

الأساليب البلاغية في قصيدة المساء 

 

يقول الشاعر خليل مطران :

دَاءٌ أَلَمَّ فخِلْتُ فيهِ شِفَائي  *  من صَبْوَتي ، فتَضَاعَفَتْ بُرَحَائي

ويقول : 

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالنَّهَارُ مُوَدِّعٌ  *  وَالقَلْبُ بَيْنَ مَهَابَةٍ وَرَجَاءِ

وَخَوَاطِرِي تَبْدُو تُجَاهَ نَوَاظِرِي  *  كَلْمَى كَدَامِيَةِ السَّحَابِ إزَائي

إذا تأملنا قول الشاعر : داء ألم ، النهار مودع ، خواطري كلمى ، نجد أنها كلها عبارات مجازية . فالداء لا يلم ، والنهار لا يودع ، والخواطر لا تجرح . وهذا ما يسمى بالمجاز العقلي .

كذلك لجأ الشاعر إلى التشبيه ، للضرورة التصويرية التي طغت على قصيدة ‘ المساء ‘ ، فشبه عقله بالمصباح ، والروح بالنسيم ، ومرضه بالضعيف المستبد .

 

خاتمة

 

قصيدة المساء للشاعر خليل مطران ، قصيدة شجية ، بث فيها صاحبها لواعج وآهات نفسه وقلبه ، وأودعها أحاسيسه ، كما هي ، مكتوية بنار الآلام المبرحة ، والأوجاع المضنية ، والحرمان القاسي ، فكانت بذلك صورة معبرة أصدق تعبير عن خوالج نفسه المعذبة .

ولقد أبان الشاعر على مقدرة لغوية ونفس طويل في قصيدته ‘ المساء ‘ ، ولن نستغرب من ذلك ، إذا عرفنا أن شعر خليل مطران ، هو وليد شاعرية فذة نشأت بين أحضان الطبيعة اللبنانية ، ونمّاها الذوق الأوروبي ، ولولا بعض الألفاظ الصعبة ، لأمكننا القول أنه بحر لينة أمواجه .

ولا عجب في ذلك فقصيدة المساء ، خير دليل على أن صاحبها لين بقدر ما تقسو عليه الحياة وتتوالى عليه مصائب الأيام ، فوجدانيته الخفاقة رفرفت بجناحيها كطائر جريح ، يشدو تغريدة ملؤها الحزن والألم .

 

مصادر ومراجع :

– ديوان الخليل ( خليل مطران ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *