الأحد 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / تحليل و شرح قصيدة النهر المتجمد لميخائيل نعيمة

تحليل و شرح قصيدة النهر المتجمد لميخائيل نعيمة

 

أحبتنا زوار موقع أنا البحر . يسعدنا أن نصطحبكم اليوم مع جولة باردة مع الأديب الكبير ميخائيل نعيمة .

تخيل يا صديقي أنك اعتدت أن تقف يوميا أمام نهر جميل ، يجري ماؤه مترقرقا ، فراقك هذا المنظر ، وأسرك هدوءه الساكن ، لكن فجأة أصبح هذا النهر متجمدا بفعل البرد الشديد في فصل الشتاء ، فبماذا سيوحي إليك ذلك ؟

شخصيا سأحضر أدوات التزلج وأعيث في النهر تزحلقا…هههه…لحظة لحظة …الأمر أعمق من ذلك بكثير عند أديبنا ميخائيل نعيمة ، فلقد وقف على نفس المنظر ، فما هي الخواطر التي أوحاها إليه النهر المتجمد ؟

النهر المتجمد في الشتاء

 

يا نهرُ هل نضبتْ مياهُكَ فانقطعتَ عن الخريـر ؟

أم قد هَرِمْتَ وخار عزمُكَ فانثنيتَ عن المسير ؟

بالأمسِ كنتَ مرنماً بين الحدائـقِ والزهـور 

تتلو على الدنيا وما فيها أحاديـثَ الدهـور 

بالأمس كنتَ تسير لا تخشى الموانع في الطريـق 

واليومَ قد هبطتْ عليك سكينة اللحدِ العميـق 

بالأمس كنـتَ إذا أتيتُك باكيـاً سلَّيْتنـي 

واليوم صـرتَ إذا أتيتُكَ ضاحكـا أبكيتنـي 

بالأمس كنتَ إذا سمعتَ تنهُّـدِي وتوجّعِـي 

تبكي ، وها أبكي أنا وحدي ، ولا تبكي معي ! 

ما هذه الأكفان ؟ أم هذي قيـود من جليـد 

قد كبَّلَتكَ وذلَّلَتـك بها يد البـرد الشديـد ؟

ها حولك الصفصاف لا ورق عليه ولا جمـال 

يجثو كئيبا كلما مرّت بـهِ ريـح الشمـال 

والحور يندب فوق رأسك ناثرا أغصانه 

لا يسرح الحسّـون فيـه مـردّدا ألحانه

تأتيه أسراب من الغربـان تنعـق في الفضـا 

فكأنها ترثي شبابا من حياتك قـد مضـى 

وكأنـها بنعيبها عند الصبـاح وفي المسـاء 

جوق يشيع جسمك الصافي إلى دار البقـاء 

 

النهر المتجمد في فصل الربيع

 

لكن سينصرف الشتا ، وتعود أيـام الربيـع 

فتفك جسمك من عقال مكنته يـد الصقيـع 

وتكرّ موجتك النقية حرة نحـو البحـار 

حُبلى بأسرارِ الدجى ، ثملى بأنـوار النهـار 

وتعود تبسمُ إذ يلاطف وجهك الصافي النسيم 

وتعود تسبح في مياهك أنجم الليل البهيـم 

والبدرُ يبسط من سماه عليكَ سترا من لجين 

والشمسُ تستر بالأزاهر منكبيك العارييـن 

والحَوْر ينسى ما اعتراه من المصائـبِ والمحن 

ويعود يشمخ أنفه ويميس مخضـرّ الفنن

وتعود للصفصافِ بعد الشيب أيام الشبـاب 

فيغرد الحسّـونُ فوق غصونه بدل الغـراب 

ما أجملها من خواطر لامست القلوب ، حيث وقف شاعرنا على النهر وناجاه كإنسان به روح ، ويسمع ويعي ما يقول ، فكان الخطاب مؤثرا لأنه يحمل علاقة صفاء وحب بين النهر والشاعر ميخائيل نعيمة .

تحليل و شرح قصيدة النهر المتجمد

 

يقف الشاعر في بداية قصيدته أمام النهر المتجمد وكأنه جثة هامدة ، وقد أخذ الحزن من قلب الشاعر مأخذه ، فرثاه بعبارات مؤثرة لمسناها جليا في كلماته .

يقف مندهشا وهو يرى النهر الذي كان في الأمس القريب يتمتع بالنشاط والحركة ، والآن أضحى كعجوز هرم أخذت منه الأيام والسنين .

يا نهرُ هل نضبتْ مياهُكَ فانقطعتَ عن الخريـر ؟

أم قد هَرِمْتَ وخار عزمُكَ فانثنيتَ عن المسير ؟

بالأمسِ كنتَ مرنماً بين الحدائـقِ والزهـور 

تتلو على الدنيا وما فيها أحاديـثَ الدهـور 

لكن الحقيقة أن تجمد  النهر هو توقف عن الحياة وبالتالي موت ونهاية .

بالأمس كنتَ تسير لا تخشى الموانع في الطريـق 

واليومَ قد هبطتْ عليك سكينة اللحدِ العميـق 

يتذكر الشاعر أيام كان يعتريه الحزن والشقاء فلا يجد التسلية والأنس إلا من صديقه النهر الرقراق ، هذا النهر الذي كان يفرح لفرح الشاعر ويبكي لحزنه ، لكن الموت غيّبه ، فترك صاحبه يبكي وحدته ، ويشكو وحشته .

بالأمس كنتَ إذا سمعتَ تنهُّـدِي وتوجّعِـي 

تبكي ، وها أبكي أنا وحدي ، ولا تبكي معي ! 

تأثير النهر المتجمد – أو بالأحر النهر الميت – كان وضحا على الطبيعة ككل ، وكأن الحزن خيم على الجميع ، فلا طائر يغرد ، ولا أوراق شجر تزهو بخضرتها ، بل أتى سرب من طيور الغربان السوداء تشيع النهر المتجمد إلى مثواه الأخير .

تأتيه أسراب من الغربـان تنعـق في الفضـا 

فكأنها ترثي شبابا من حياتك قـد مضـى 

وكأنـها بنعيبها عند الصبـاح وفي المسـاء 

جوق يشيع جسمك الصافي إلى دار البقـاء 

فهل هذه هي النهاية حقا ؟ أمات النهر وفارق صاحبه ؟

عودة الحياة إلى النهر المتجمد

 

تنفرج العقد والأحزان ، وتنكسر الهموم والآلام ، فموتة النهر المتجمد لم تكن سوى انبعاثا ليس كأي انبعاث !

كطائر العنقاء الذي يموت ثم ينبعث من رماده ، كذلك النهر انبعث في فصل الربيع بنفس متجدد ، وحياة مليئة بحب البقاء ، وتمتع بالبهجة والهناء كما هو الحال لنهر سبو في فصل الربيع .

لكن سينصرف الشتا ، وتعود أيـام الربيـع 

فتفك جسمك من عقال مكنته يـد الصقيـع 

وتكرّ موجتك النقية حرة نحـو البحـار 

حُبلى بأسرارِ الدجى ، ثملى بأنـوار النهـار 

وبدورها تبتهج الطبيعة بعودة الحياة للنهر المتجمد ، فتنشر نسيمها العليل فوق أغصان الأشجار اليانعة ، وتهدي الشمس الدافئة حلة من الأزهار تكسو جوانب النهر البسّام ، فتشكل لوحة ربيعية جميلة ، وتختمها في الليل انعكاس نجوم السماء على صفحة مياهه الشفافة .

وتعود تبسمُ إذ يلاطف وجهك الصافي النسيم 

وتعود تسبح في مياهك أنجم الليل البهيـم 

والبدرُ يبسط من سماه عليكَ سترا من لجين 

والشمسُ تستر بالأزاهر منكبيك العارييـن 

أما مشهد الغربان المشيعة لجثمان النهر المتجمد ، فيتحول في فصل الربيع إلى مشهد طائر الحسون وهو يحلق مغردا بالحياة والأمل ، فتعود للأغصان حيويتها ، وتكتسي الأرض خضرة ، فيغدو النهر شابا مفعما بالنشاط والحيوية .

رسائل عميقة تحملها قصيدة النهر المتجمد

 

لطالما كان الشاعر والأديب ميخائيل نعيمة يحمل في كتاباته وخواطره رسائل وغايات هادفة ، وخير مثال قصيدة النهر المتجمد التي تناولناها في موضوعنا ، فهي في مظهرها تحمل صورة طبيعية خالصة ( النهر المتجمد شتاء ) و ( عودة الحياة للنهر المتجمد في فصل الربيع ) .

لكنها تحمل في العمق فكرة أخلاقية واضحة ، وتتعلق بثنائية اليأس والأمل ، فلطالما كانت حياة الإنسان تحكمها فصول متعاقبة بين يأس وجمود حينا ، وأمل وانفراج أحايين أخرى ، والعبرة بمن يصبر وينتظر الفرج ، ولا يستسلم لقيود الظلمة والهموم ، فيكون كالنهر المتجمد الذي ينتظر حتما فصل الربيع ليعيد الحياة إليه .

وما دام لهذا الكون رب يسيره ، تعالى وتبارك في إبداعه وعظمته ، فستظل قلوبنا تحيى برحمته ، وتنبعث نشيطة مبتهجة بعد كل يأس وآلام .

 

قد يعجبك الاطلاع على :

قصيدة عن الربيع : كلمات رقيقة على صوت زقزقة العصافير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *