خليلي أو (عناقيد النور)

محمد اسماعيل أحمد – مصر 

 

لكل منا خليل يصاحبه في مسيرة حياته يشاركه أفراحه وأتراحه ، يسمع إلى شكواه باذن واعية وقلب شفوق وعاطفة لاريب في صدقها ثم يبعث إلى قلبه رسالة الطمأنينة بنصيحة خالصة ليفتح بها أمام وجهه مشارق الأمل ومغاربه .

ولقد حاولت أن أجد من بني البشر من أطمئن إليه خليلا وفيا ورفيقا أمينا على سري وعلاينتي ، أبث إليه شكواي و لواعج نفسي و أستظل معه بظلال الفرحة والحبور والسعادة .

لا أنكر أنني وجدت في عالم البشر ما يشبه هذا الصديق ولكن أن يحتل من نفسي مكانة الخليل الذي أتحدث اليه ويتحدث إلي ، أرافقه ويرافقني ، أجده في الوقت الذي أحتاج إليه فيه ، فهذا لم أجد له في دنيا الناس أحدا .

 

فقد طمعت نفسي وأشرفت على صاحب يحمل كل الصفات التي صورها خيالي فلما أيست من عالم البشر لجأت إلى عالم الأشياء والجمادات ، فبحثت كثيرا وعانيت طويلا وأضنيت من الجهد والعمر ما الله به عليم لأن البحث في هذا العالم الكبير شيئ شاق على نفوسنا المضطربة وعزائمنا الخوارة المهتزة .

ولازالت عيني تتقلب بين طبقات الثرى وأطباق الثريا بحثا عن ذلك المجهول المنقذ من الضلال ، ولازالت روحي صرخاتها تقض مضجعي وتقف دون نفسي وقسطها من الراحة والنوم والسكون ، ولازال فكري وتدبري في عاقبة أمري متصلا لا ينقطع له حبل ولا يهدأ له صول أو جول ، حتى أدركتني عناية من الله ورحمة وساقتني أقداره أن أمسك بقلمي وأن أسجل به خواطري وسوانح فكري وإذ بي وأنا عاكف على ذلك الأمر من الكتابة والتسجيل إذ بومضة لطيفة تومض عقلي وتهدأ من روع نفسي وتهديني إلى سواء السبيل لتبعث إلي رسالة الأمل في الهداية لخليل زاغ عنه نظري وتفرق دونه فكري .

نعم وجدته ….. إنه القلم الذي أمسك به ويراعي الذي أسجل به ما اصطاده عقلي من منثور الحكمة ودرر الفوائد وكنوز المعارف .

إنه الصديق الصدوق والخل الخليل والصاحب المخلص والناصح الأمين .

إنه الحضن الدفئ واليد الممتدة باللهفة والغوث والعين الساهرة على الأفكار والخواطر والأحلام والآمال .

إنه ضماد الجراح ومطيب الآلام وإكسير السعادة .

إنه النور الذي توهج في قلوب الحائرين ، وشعلة النار التي أنارت سبيل الفلاسفة والمفكرين ، وقبس الهدى الذي أحيا قلوب أهل الإيمان والإخلاص .

إنه الخليل الذي أسعد معه في لحظات الشجن والغربة ، وما أكثر ساعات الغربة التي يعيشها المفكر في هذه الحياة ولا أحد يشعر به .

 

إن في مداده حياة العقل وروح القلب ، أشعر معه أنني يوحى إلي بالحكمة والجمال ، وأن العالم من حولي بما يحمله من شرور وأحقاد ولهاث وراء الغث والسمين من الأفعال والأقوال والسلوك ، و مادية طاغية على النفوس والأرواح ، ومجونا عابثا بالسمت والأخلاق ، ووهنا أصاب الإيمان في مقتل .

أشعر معه بأن الناس يعيشون على سطح كوكب غير الكوكب الذي أحيا فيه مع قلمي وفكري ، وأجدني أرفع القبعة إجلالا واحتراما لصاحب “وحي القلم ” الأستاذ الرافعي – رحمه الله – لحسن اختياره لهذا العنوان المعبر الطريف لكتابه الخالد الفريد .

إنها الأداة العظيمة الشأن والتي جعلها الله موضعا لقسمه في كتابه العزيز ، إنه الوسيلة التي نحقق بها قوله تعالى ” إقرأ ” فهو الفيصل بين أهل العلم و أهل الجهالة .

إنني مع القلم ……. روح وجسد .

إنني مع القلم ……. نور ونار .

إنني مع القلم ……. أحمل في نفسي وعقلي ووجداني صفات الإنسان رجلا كان أو امرأة .

إنني مع القلم …….أبكي لدموع المساكين في ظلمة ليلهم البهيم .

إنني مع القلم …….أسعد بسعادة يتيم صادف يدا حانية تربت على كتفيه .

إنني مع القلم …….أعيش جنة الروح …. أرفرف مع طيور الفكر …. أتنفس عبير السعادة .

إنني مع القلم …….أسافر في وجدان ذاكرتي …. أستطيع أن أسمع صوتي ونبضات قلبي .

أستطيع أن أجسد صورة خيالي وتأملاتي .

أستطيع أن أسكب عبراتي في نهر الخلد أو بين سطور كتاب الحياة .

إنني مع القلم ……. أستطيع أن أصنع عالما من الفضائل أسكنه ويسكنني .

إنني مع القلم ……. أغزل كلماتي فأحيلها عناقيد من النور …. أقابل كل المحبين فأكلل بها جباههم .

وأمضي في طريقي إلى صومعتي و محل خلوتي لأغزل كلماتي فأحيلها عناقيد من النور أهديها لكل مظلوم قابع وراء الأسوار برح به الياس وألم به المرض وزاغ بصيص الأمل في عينيه وذابت معالم المستقبل المشرق في إحساسه وشعوره .

ثم أمضي في طريقي الى صومعتي و محل خلوتي لأغزل كلماتي فأحيلها عناقيد من النور أرسلها طيبة إلى كل من له فضل علي فعلمني أو ذكرني أو همس في أذني أو أسدى النصح لي أو وقف بجواري يوم محنتي .

وأمضي في طريقي إلى صومعتي ومحل خلوتي لأغزل كلماتي فأحيلها عناقيد من النور أهديها معطرة إلى زوجتي ورفيقة دربي والعش الدافئ الحنون الذي آوي إليه طلبا للسكون والأمان .

وأمضي في طريقي إلى صومعتي و محل خلوتي لأغزل كلماتي فأحيلها عناقيد من النور أبعث بها إلى يتيم فقد أمه وانقطع به سبيل الرحمة الأرضية ولم يبق له الا حبل من الله ممتد الى السماء أعيد إليه بسمة الأمل من جديد و أعيد إلى قلبه الطمأنينة والسلام  .

إنني مع القلم …….أدخل صومعتي أغزل كلماتي فأحيلها عناقيد من النور لأعيش لحظات أنس مثل تلك اللحظات التي يعيشها أهل الطريقة والوجد في خلواتهم ، أناجي فيها مولاي وخالقي ومدبر أمري أن يرتقي بروحي الى معارج القدس وملكوت الخلد .

إنني مع القلم أشعر بإنسانيتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *