الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / فنجان قهوة / ذكريات رمضانية : بين الأمس واليوم خيط رقيق من الحنين والأمل

ذكريات رمضانية : بين الأمس واليوم خيط رقيق من الحنين والأمل

صيام بلون البراءة 

كم هو جميل قدوم شهر رمضان المبارك ، حيث تكتسي الأرض حلة من الحب والإيمان الخالص ، والبَركة المستفاضة ، شهر أحس فيه أن الدنيا بأكملها تنادي للحب والصفاء والإخاء ، كان عمري آنذاك ست سنوات ، وهو أول رمضان أصومه في حياتي ، بل لقد وفقني الله أن أصومه بتمامه وكماله ، وقد  ساعدتني أجواء  فصل الشتاء الباردة على تحمل الجوع والعطش .

كنت أعتبر الصوم ولا أزال شيئا مقدسا وثمينا ، وقد علمني جدي – أطال الله عمره – أن أحسن صيامي ، فكان يصحبني إلى المسجد لأداء الصلوات الخمس ، ويناولني مصحفا لقراءة القرآن الكريم ، كان شعورا جميلا ومحفوفا بطهر إيماني زادته براءة الطفولة نقاء .

أتذكر محاولات عمتي مشاكستي واستفزازي ، حيث كانت تدعي أنني مفطر ، فأقسم لها بأغلظ الأيمان بصحة صيامي ، وأخرج لساني كقطعة أرض قاحلة كساها بياض الجفاف ، فتتبسم بلطف وتقول : الآن صدقتك ، أنت صائم . فينتابني شعور مريح عندها ، وأحس كأني دفعت عن نفسي تهمة ظالمة ثقيلة .

في السوق مأكولات شهية !

الساعة تشير إلى وقت العصر ، حيث شكلت عصافير بطني فرقة موسيقية عزفت ألحانا شجية ، تنادي بالطعام ، وتشكو ما فعله الجوع والصيام ، وترجو فرج الآذان ، وكانت رائحة حساء الحريرة ، التي حرصت والدتي العزيزة على إعداده ، تراود بطني عن نفسه فتثير المعدة والأمعاء ، وتعدهم بقرب اللقاء .

كنت أشتهي كل مأكولات الدنيا حينها ، أود أن آكل جميع أطباق العالم ولا أحسبها تشبعني ! قل بسم الله بنيّ وستشبع . هكذا نبهتني والدتي بخير نصيحة للمعدة الشقية . وأرسلتني إلى السوق لأبتاع بيضا وفاكهة ، وأشتري بالباقي ما أحب .

فطرت إلى السوق وكلي همة ونشاط ، ولك أن تتخيل حجم المأكولات الشهية التي فُرشت على طول طريق السوق ، هذه حلوى بالجنجلان والعسل ، وتلك حلوى باللوز والفواكه الجافة ، وانظر إلى الجبل الكبير من الخبز الشهي الذي تفنن الخبّاز في رسم أشكاله ، ورصف عجينه . وبعد تفكير طويل قررت أن أشتري زبادي بنكهة الكريما والتوت ، هكذا حكمت علي معدتي .

أوشك المؤذن أن ينادي لصلاة المغرب ، فأمرني جدي بالوضوء ، واصطحبني إلى المسجد كما جرت العادة . كم هي  رائعة تلك النفحات الربانية المباركة وأنت جالس في بيت الله ، والمصلون يتوافدون مثنى وثلاث ورباع ، تقدم أحد المحسنين يوزع تمورا طيبة على المصلين ، فأخذ جدي تمرة واحدة ، وبالمثل فعلت ، مبادرة خلفت في نفسي شعورا بعظمة هذا الشهر الكريم ، حيث يتسابق الناس إلى الخيرات بشكل لم أشهده في أي شهر آخر .

فالحاج ميمون صديق جدي ، قد فتح باب منزله للمساكين وعابري السبيل الذين لا يجدون إفطارا ، وقرر أحمد صاحب الفرّان أن يتصدق يوميا بعشر أرغفة خبز ، ابتغاء لوجه الله الكريم ، أشياء عظيمة لا يختص بها سوى شهر معظّم .

معركة على مائدة الأكل !

أذّن المغرب فبادر المصلون بتعجيل إفطارهم على التمر ، في حين رفع جدي يده يتمتم بدعاء لم أتبينه ، فرفعت يدي مثله وحاولت أن أقلده ، وبعدها تناول تمرة فأراحني وكأنه أعطاني انطلاقة الهجوم ، ووصل المحبوب بمعشوقته .

وصلنا إلى المنزل فنزلت على البيض غطسا ، وعلى الخبز المحشو رفسا ، لكن الحقيقة أن لقيمات صغيرة كانت كافية لإشباعي ، بل لم أستطع أن أتناول الزبادي اللذيذ ، وأجلته للسّحور ، فحمدت الله وشكرته على نعمه ، وأثنت عليّ والدتي على شجاعتي وتحملي للصوم ، وطلبت مني أن أفطر في اليوم الموالي ، لكني رفضت قطعا ، وقررت أن أصوم الشهر كاملا ، لأن ذلك الشعور الرباني المبارك لا يحس به سوى الصائم ، وعليه حرصت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *