الأحد 14 يناير 2018
الرئيسية / الشعر العربي / شرح قصيدة أراك عصي الدمع للشاعر أبي فراس الحمداني

شرح قصيدة أراك عصي الدمع للشاعر أبي فراس الحمداني

شارك الموضوع مع أصدقائك
Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on Facebook72

شرح قصيدة أراك عصي الدمع

نقف بكم اليوم عند تحفة من روائع الشعر العربي الخالد ، أبيات تقطر استعطافا ورقة ، ووجدانا وشوقا ، هذا ما سنعيشه في موضوعنا ‘ شرح قصيدة أراك عصي الدمع للشاعر أبي فراس الحمداني ‘ .

 

 

قصيدة أراك عصي الدمع

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ  *  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة  *  ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى  *  وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي  *  إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ  *  إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ !

حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا  *  و أحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ ، العذرُ

و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ  * لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ

بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً  *  هوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ

تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي  *  لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ

بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني  *  أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ

وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ  *  وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ

يقولونَ لي : ” بعتَ السلامة َ بالردى ”  *  فَقُلْتُ : أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ

و هلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً  *  إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ ؟

نكتفي بهذا القدر من الأبيات من القصيدة الرائعة ‘ أراك عصي الدمع ‘ ، ويمكنكم الرجوع إليها كاملة على الانترنت للاطلاع .

 

نبذة مختصرة عن صاحب القصيدة

 

هو الشاعر أبو فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة أمير حلب . ولد في الموصل سنة 932 م . قتل أبوه وهو ما زال في الثالثة من عمره ، فعاش تحت رعاية ابن عمه سيف الدولة ونشأ في بلاط الحمدانيين في حلب بين نخبة مختارة من رجال العلم والأدب . فكان شاعرا وكاتبا وفارسا .

قاتل الروم مع سيف الدولة ، وأسر في إحدى مواقعه معهم . ثم فك أسره ووقع نزاع بينه وبين أبي المعالي ابن سيف الدولة الذي قضى عليه في إحدى المعارك . وهكذا مات وعمره 37 سنة .

 

مناسبة قصيدة أراك عصي الدمع

 

القطعة التي بين أيدينا زخرفت وأخذت من ” روميّات ” أبي فراس ، وهي تلك القصائد الرائعة التي نظمها الشاعر في أسره ببلاد الروم وأرسلها إلى ابن عمه سيف الدولة ( تباطؤه في فدائه ) أو إلى والدته الكئيبة أو إلى أصدقائه ، وهي كيوميات سجّل فيها الشاعر تأثره بالفرقة والأسر والغربة ، وكذا فخره بنفسه واشتياقه لأيام الحرية والرغد والفروسية .

 

شرح أبيات قصيدة أراك عصي الدمع

 

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ    *  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

لقد استهل الشاعر قصيدته بمقدمة غزلية جريا على العادة التقليدية للشعراء الأوائل ، وهذا ليس بغريب على شاعرنا إذا نظرنا إلى مسيرة حياته التي تشرّبت الأصالة والعروبة .

يخاطب الشاعر نفسه متعجبا من مدى صبره وجلده على سلطان الحب ، فهو لا يبكي كعادة أهل الهوى المكتوين بناره ، ودمعه يقف له سندا هو الآخر فيمتنع عن الترقرق ، وهنا يحضرني على النقيض بيت الشاعر العظيم المتنبي :

أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقُ   *  وجوى يزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ

فهو على عكس أبي فراس ، يعاني من نار الهوى التي حرمت جفونه النوم ، ويعتصر قلبه ألما ، وينهال دمعه سيلا .

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ *  ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !

يعترف الشاعر بأنه يحتفظ بكل مظاهر حبه واشتياقه في صدره ، وبأنه يتألم لبعده عن الحبيبة ، لكن نفس الشاعر تأبى الخضوع لأمر الهوى  ، فهو يملك القدرة على التحمّل وإخفاء مشاعره ، لكن سرعان ما تتدخل عوامل ومؤثرات تضعف نفس الشاعر وتجعل ذاته تستسلم وهو ما نلمسه في البيت التالي :

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى  *  وأذللتُ دمعاً منْ خلائقه الكبرُ

إذا حلّ الليل على الشاعر ، جاءت إليه الذكريات وبسط سلطان الهوى جبروته على قلبه ، فيبكي بحرقة ، لكنه لا يظهر بكاءه للناس ، فهو الجلد الصابر الذي تأبى نفسه الضعف والهوان .

 

 

بيت يتّقد شوقا

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي  *  إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

لقد وصلت شدة الوجد والشوق إلى الديار والمحبوبة بالشاعر إلى درجة أنها نار أحرقت فؤاده وجوانحه ، لكن مكانة الشاعر واعتزازه بنفسه تجعله يتجرع هذه المرارة بصمت ويكتمها في قلبه ، إنه صراع بين الكبرياء والعاطفة ، كبرياء دونه الموت أنفة وصبرا ، وعاطفة تتّقد نارا حارقة .

معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ   *  إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ !

يتملك خطاب الأنانية نفسية الشاعر ، فهو ينتظر ويرسم الأماني للقاء محبوبته التي يبدو أنها لا تفي بوعدها ، وبين نار شوق اللقاء و مخافة إدراك الموت للشاعر وحرمانه من وصل المحبوبة ، يدعو على كل أهل الهوى والعشق بنفس المصير .

بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني  *  أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ

يقدم لنا الشاعر في هذا البيت صورة رائعة تنطق بالجمال ، فافتقاده للحبيبة جعله وحيدا رغم أنه يعيش وسط أهله ، وكأني ـ شخصيا ـ  أتخيل الشاعر نازلا إلى الصحراء متخليا عن أهله الحضر ، فالدار التي لا تحوي حبيبته هي قفر خراب ، ورمس يعلوه سراب ، نفسية منهارة وملل قاتل ترياقه وجود الحبيبة .

أبيات تشعّ حكمة 

هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه  *  فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ

وما هذه الأيامُ إلا صحائفٌ  *  لأَحْرُفِهَا من كَفِّ كاتبها بِشْرُ

و لا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍ  *  كما ردها ، يوماً بسوءتهِ ” عمرو”

وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ  *  وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ

تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا  *  و منْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ

أبيات رائعة جرت مجرى الحكم ، فصار بعضها مثلا سائرا بين الناس ، ولا عجب في ذلك ، فنفسية الشاعر الجياشة بالعاطفة والأحاسيس الرقيقة جعلت الحكم تنساب على لسانه وتجري في كيانه .

الأساليب البلاغية في قصيدة أراك عصي الدمع

 

تزخر قصيدة ‘ أراك عصي ّّ الدمع ‘ بمجموعة من الأساليب اللغوية والفنية البيانية أذكتها نار العاطفة المتأججة ، وسندرج بعضا منها بما تيسّر وتقدّر على سبيل الإيجاز .

لقد نظم الشاعر قصيدته على ‘ بحر الطويل ‘ ، وتفعيلته :

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن   فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

وبالرجوع إلى القصيدة نجد ما يلي :

المستوى الدلالي

اعتمد الشاعر على الاستعارة المكنية في البيت الأول ( أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ ..) فلقد صوّر الدمع بالعصيّ والصلب ، وشبّه الهوى بالإنسان الذي يأمر وينهى .

وفي البيت الثالث ( إذا الليل أضواني ) هذه استعارة مكنية صوّر فيها الليل بالوهن والمرض الذي يضعف الشاعر .

(بسطت يد الهوى) هنا صوّر الهوى بشخص له يد تُبسط .

( أذللت دمعاً من خلائقه الكبر ) استعارة مكنية صور فيها الدمع بشخص متعال من طبائعه الكبر .

فى البيت الرابع : ( تكاد تضيء النار بين جوانحي ) استعارة تصريحية حيث شبه عواطفه وانفعالاته الداخلية بالنار التي من الممكن أن تضيء وتشتعل .

( إذا هي أذكتها الصبابة والفكر ) : استعارة مكنية ، هنا شبه شدة الشوق والعشق بالمادة التى من شأنها أن تشعل النيران .

سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ  *  وفي الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البدرُ 

أكثر بيت بلاغي شد انتباهي وإعجابي ، حيث شبه الشاعر نفسه بالبدر و يقول أن الناس لا بد أن تتذكره في المواقف الصعبة ، فهو فارس الحالات المستعصية .

المستوى التركيبي

فنجد أسلوب الاستفهام ينوب ترجمة عن البيت الأول  ، ففي قوله ‘  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟ ‘ يتساءل الشاعر متعجبا عن ماهية الهوى الذي يؤثر في القلوب .

وعلى مستوى البديع والصوت يتجلى لنا أسلوب التصريع (  اتفاق شطري البيت الواحد ) وفي المثال نجد كلمتي : الصبر ، أمر .

كذلك نجد أسلوب الطباق ( كلمتان متضادتان في المعنى ) في :

البيت الأول : ( نهي وأمر ) .

البيت الثاني : ( يذاع وسرّ ) .

البيت الخامس : ( ظمآنا والقطر ) .

ظاهرة تكرار الترادف ( اختلاف كلمتان في اللفظ واتفاقهما في المعنى ) : وأزيد عليها أن هذا التكرار يكون بالمدلول دون الدال ، ولكي نقرّب الصورة لنتأمل البيت الأول :

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ  *  أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

نجد ورود كلمتي ( عصيّ الدمع وشيمتك الصبر ) وهما يدلان على معنى واحد وهو الجلد والقدرة على التحمل والصبر .

وفي البيت الثالث :

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى  *  وأذللتُ دمعاً منْ خلائقه الكبرُ

نجد كلمتي ( أضواني وأذللت ) وهي بمعنى الضعف والانهزام .

خاتمة

لقد انبثق الشعر على لسان أبي فراس وتدفّقت العاطفة منه سيلا إلى حدّ قلّما بلغت إليه عاطفة في الشعر العربي المتداول ، ومن هذه العاطفة استمد الشاعر معانيه ، فهو الأمير الرقيق والملهم الذي ينبع الحبّ من فؤاده ، وقد يضعف أحيانا فيرسم لنا ديباجة مزينة بفسيفساء عبارات التشكي والحنين والجزوع . هذه العاطفة الرقيقة بوّأت الشاعر منزلة حسنة في عالم الفن ، وقرّبته أبدا إلى القلوب ، فالعاطفة العميقة الصادقة تستوطن القلوب وتغدو قيمة تبقى خالدة على مر السنين .

مصادر ومراجع :

– شاعرية أبي فراس ( نعمان ماهر الكنعاني ) .

–  فخر أبي فراس وأبي الطيب ( عبد الغني باجقني ) .

شارك الموضوع مع أصدقائك
Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on Facebook72

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *