الإثنين 22 أكتوبر 2018
الرئيسية / الأدب العربي / قصص قصيرة معبرة عن الحياة : فتاة المترو الغريبة ، وفتى الزهور الحالم
قصص قصيرة معبرة عن الحياة

قصص قصيرة معبرة عن الحياة : فتاة المترو الغريبة ، وفتى الزهور الحالم

قصص قصيرة معبرة عن الحياة : فتاة المترو الغريبة ، وفتى الزهور الحالم

بين ثنايا الماضي والحاضر ، ينبثق شعاع رقيق يصل مداه إلى الأفق ، ناثرا خيوطه المتشابكة على هذه الدنيا المليئة بالحكايات السرمدية . وبين موت مخيم على الأجواء ، وصرخة حياة تنبعث في الأرجاء ، نترككم مع قصص قصيرة معبرة عن الحياة .

فتى الزهور ( 1 )

أراد عملا قصيرا ونضيفا بناء على توصيات أمه وله دخل مقبول ليشارك به في نفقات دراسته الجامعية المتعثرة بسبب انقطاعه عنها ليعمل في أعمال تكسبه شيئا من المال الذي يحتاجه لدفع الأقساط الدراسية ، فتوسط له العم موسى ليعمل في محل الزهور الذي يقع ضمن المجمع التجاري داخل الفندق الفخم الذي يعمل حارسا ليليا فيه ، وقُبل في العمل نظرا لطلته الجميلة ، وهندامه المرتب النظيف .

ومن يومها بات فتى الزهور ، الذي يوصل الزهور إلى من يطلبها بالهاتف ، أو لمن ترسل إليهم في مناسباتهم وأعيادهم ، يقرع جرس البيت أو الشركة ، يقدم الزهور ، فتتناولها الأيدي بين نظرات الدهشة والسعادة ، تُقرأ البطاقات ، ثم تدس في جيبه إكرامية ما ، يشكر مقدمها أو مقدمتها مبتسما ، ثم يغادر على عجل ، لينطلق في مهمة إرسال زهور أخرى .

يعترف بأنه لا يحب الزهور ، ونظرا لفقره وارتفاع ثمنها ، فإنه مجبر على أن يظل غير محب لها ، ولكنه يجد نفسه على حين غرة معجبا بالزهور ، متقنا للغتها ، فاكا لأبجدية لغتها ، يعرف اسم كل زهرة ، ويدرك معنى كل لون ، يستطيع أن ينسق الألوان والأشكال وفق المناسبة وبناء على طبيعة العلاقة ، ثم يحملها ، وينطلق بها .

يشعر بلذة كبيرة لا يعرفها إلا من أتقن قراءة الوجوه ، وفك معاني النظرات والخلجات ، عندما يراقب ردود أفعال الناس تجاه الزهور المهداة إليهم ، يداعب الغرور قلبه ، عندما ترتسم ابتسامة على ثغر المتلقي أو المتلقية ، وتداعب الأنامل الزهور مداعبة استقبال وإكرام ، يشعر عندها بأنه ملك الزهور التي يحسن اختيارها ، كما يحسن تلقينها الكلمات التي عليها أن تقولها  .

فتى الزهور ( 2 )

لكن زهور الحب بالذات تهز قلبه الذي يخفق بشدة عندما يطالع الوجوه وهي تحمر مشحونة بمشاعر الاضطراب والحب عند تلقي الزهور العاشقة ، الأنامل التي تداعب الزهور تعزف على أوتار قلبه الدامي ، يتنهد عميقا ، ويتمنى لو أن قلبا ما يهديه زهرة حب ، يأخذ الإكرامية ، وينطلق بعيدا .

انتظر طويلا أن تأتيه زهرة ، زهرة واحدة عاشقة ، ولكن ذلك لم يحدث ، وأوشك هزيع الصبف على الانتهاء ، وكاد موسم الزهور ينقضي ، والفصل الدراسي الجديد كان على الأبواب ، دس صاحب متجر الزهور في جيبه مظروفا فيه أجرة الشهر الأخير الذي عمل به ، وأخبره برغبته في أن يعود للعمل عنده في العطلة الصيفية القادمة ، هز الفتى رأسه شاكرا ، وابتعد ويده في جيبه تقبض بحذر واهتمام على الظرف الذي فيه أجرة الشهر .

في الطريق توقف أكثر من مرة أمام أكثر من محل زهور ، كان يقاوم رغبة جارفة ألحت عليه طوال الصيف .

في المساء كان جالسا في بيته في وسط غابة من طاقات الزهور التي حملها العشرات من فتيان الزهور الذين جاؤوا من أنحاء متعددة يحملون له باقات زهور ، ليس عليها بطاقات تعريفية ، كان يبتسم بقوة وبدهشة غريبة كلما استلم باقة جديدة  ، هو حقيقة في انتظارها ، وإن كان يبذل جهدا لتمثيل دور المتفاجئ بطاقة الزهور التي من المفترض أنها جاءت على حين غرة ، ثم يدس إكرامية سخية في جيب فتى الزهور الذي يغادر المكان مبتهجا فرحا .

كان يشعر بسعادة غامرة ، وإن عكرها صوت بكاء أمه التي عرفت أن ابنها قد اشترى براتبه كله زهورا حمراء ، بدل أن يدفع قسط دراسته الجامعية .

فتاة المترو ( 1 )

ترقب الجميع ظهور ذلك المارد العملاق ليخرج من النفق المظلم بضجيجه المعهود ، وهو يبطئ من سرعته حتى يتوقف تماما أمام الركاب .

ثم انفتحت أبوابه على المصراعين ، ودارت المعركة الأبدية بين الطرفين . المغادرون والفريق الآخر ممن أراد أن يستقل المترو ، وهم يتحركون بأقصى سرعتهم للمحاولة بالفوز بمقعد داخل ذلك التابوت المتحرك .

وانتظرت أنا كعادتي ، حتى انطلقت الصفارة التي تعلن اقتراب إغلاق الأبواب وقفزت قفزة رشيقة لأقف بجانب الباب وأضع يدي في جانب البنطال وأنا أقف في هدوء وأنظر إلى ساعتي الجميلة التي أهدتها لي إحدى صديقاتي الفتيات للتو ، وأحسب ما تبقى لي حتى أصل إلى محطتي الأخيرة بجانب منزلي .

كان الجو حارا أكثر من المعتاد ، لكني معتاد أن أتعايش في درجات حرارة عالية بفضل نشأتي خارج البلاد . وأخرجت السماعات الخاصة بي في ضجر ، وأوصلت طرفها في هاتفي المحمول لأستمع إلى بعض الموسيقى الهادئة لعلها تقصر المسافة التي سأنتظرها داخل التابوت الساخن .

فتاة المترو ( 2 )

وانسابت الموسيقى ناعمة في أذني لترخي عضلات جسدي تدريجيا وأسدلت رأسي على باب المترو وأنا أتذكر رحلتي الأخيرة في صمت ثم لاحت ابتسامة من الشاب الواقف أمامي وهو يهمس إلى ذلك الآخر الذي يقف إلى جواره ، ويشير بإشارة خفية إلى نقطة بعيدة عن بصري ، فلم أكترث ، فهذه هي عادة المراهقين في التعليقات على كل كهل متصاب ، أو على فتاة مبهرجة .

وشيئا فشيئا بدأت ألاحظ أن أنظار الجميع تتجه إلى هذه النقطة حتى اشتعل الفضول في أعماقي .

لكني كنت على يقين أن الأمر لا يستحق حتى مجرد النظرة حتى وجدت تلك السيدة التي تجلس واضعة يدها على خدها وتنظر في نفس الاتجاه وتعتريها ملامح الحسرة والضيق ، تقدمت منها في صمت وخفوت ، فلم ألحظ أي شخص انتبه إلى حركتي فوقفت في بساطة لأمد يدي بحركة تلقائية وأنزع السماعات من أذني ، وكان يجب علي أن أنظر بشكل طبيعي إلى تلك البقعة وأنا أمسك بيدي اليمنى السماعة وأنا أخلعها من أذني اليمنى أيضا ، لأنظر إلى اليسار وتجمدت يداي وأنا أنظر إلى تلك الفتاة تقف في نهاية العربة ، وهي تعير ظهرها إلى الجميع ممسكة بمقبض الباب وتنظر باتجاه النافذة .

ولكن لم يكن هذا هو سبب اندهاش الجميع ، فقد كانت شبه عارية وهي تقف غير معيرة أي اهتمام وكأن الأمر لا يعنيها ، وذلك الفستان الخفيف الضيق على صدرها يكاد أن يتمزق وينسدل في نعومة ليبرز تضاريس نصفها السفلي في وقاحة .

فتاة المترو ( 3 )

واشتعل الغضب في جسدي فجأة ، لكني لم أتحرك ، وزفرت في حنق واتجهت إلى الجهة البعيدة من العربة وأنا أترقب خروجها ، في أي محطة قبل أن أصرخ في وجهها . ولكنها انتظرت ، وانتظرت .

ولم يتبق سوى محطتين فقط على مغادرتي والجميع يتهامسون ويتلامزون من حولها .

وفجأة دخلت إلى العربة سيدة عجوز قصيرة ترتدي عباءة سوداء بسيطة وعلى وجهها علامات الذل والانكسار شدت انتباهي وهي تحمل كيسا تضع فيه عدة أدوية .

وبدأت تستعطف الراكبين بكلماتها الذليلة . ولم ينتبه إليها أحد على الرغم من شكواها بأن ابنتها مصابة بالسرطان فقد كانت الأنظار كلها متوجهة إلى تلك الفتاة فأخرجت مبلغا بسيطا لأعطيها إياه حتى أثبت أن هناك من يسمعها ، ويحاول أن يساعدها . حتى إنها لاحظت علامات الضيق على وجهي ورفعت يديها تدعو لي ، فابتسمت بالرغم عني وأنا أمسك يديها وأنزلها إلى جوارها متمتما بكلمات غير مسموعة ، فنظرت إلي في امتنان وأكملت طريقها داخل العربة تستعطف القلوب التي امتلأت بالغريزة وهم يحفرون صورة ذلك الجسد في أذهانهم . وأنا أراقب العجوز في صمت حتى وصلت إلى نهاية العربة لتحاول أن تأخذ شيئا من تلك الفتاة ، حتى مدت الفتاة يدها في حقيبتها الصغيرة لتخرج بعض النقود في يدها ، وتستدير إلى السيدة العجوز لترتسم عليها أقصى درجات الدهشة وهي تحدق في السيدة .

وساد الصمت في العربة بشكل غريب .

حتى سمع الجميع تلك الفتاة وهي تهتف بكلمة واحدة .

– أمي ؟!!

لترفع السيدة يدها وتنهال على الفتاة بصفعة مدوية ، رجت فؤادها وفؤاد كل الحاضرين .

مصادر :

– أرض الحكايا ( سناء شعلان ) .

– الطبشورة ( أيمن شوقي ) .

مواضيع قد تعجبك :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.