الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / فنجان قهوة / مذكرات مدرسية : جرح في الرأس بسبب خطأ في تصويب المعلم القناص ( الفصل 3 )

مذكرات مدرسية : جرح في الرأس بسبب خطأ في تصويب المعلم القناص ( الفصل 3 )

كان ذلك الحادث الأليم في مرحلتي الدراسية الإبتدائية الأولى ، حيث أخذت معلمتنا عطلة مفتوحة لتضع حملها ، وعوضوها بمعلم شاب تظهر عليه علامات الفتوّة والطيش ، أو هكذا حكم عليه عقلي البريء وقد صدق !

من أول دخول له كشّر عن أنيابه ، وأظهر عداوته للأطفال الصغار ، كان يصرخ بأعلى صوته لنكفّ عن الثرثرة ونلتزم الصمت ، صراخ أشبه بصوت الرعد فيبث في قلوبنا الرعب والقلق !

كان يُدرّس وفق هواه ، فيقول ما يشاء ..فتارة تجده يلتزم بجادة الصواب ، وتارة أخرى يخرج عن النص ، فيحكي عن نفسه وبطولاته ، وكيف أن لصوصا تعرضوا له فقضى عليهم بحركات سريعة ، فهو – على حد قوله – حائز على الحزام الأسود في الكاراتيه . وظل على هذه الحال حتى خِلت الفصل الدراسي صالة للفنون القتالية ، فسرح خيالي مع أفلام بروسلي وجاكي شان .

أتذكر أني كنت أجلس في المقعد الثالث أو الرابع في الجهة اليسرى للفصل ، كنت مؤدبا جدا ، وحريصا على القيام بكل ما يأمرنا به المعلم ، ولقد أخذ مني الخوف مأخذه .

وكان من عادة معلمنا الكسول أن يأمرنا بمطالعة كتاب القراءة بصمت ، في حين يبقى جالسا يمضي الوقت ، أو يخرج لتدخين سيجارة قبالة الفصل ، وأثناء ذلك كان التلامذة الصغار يثرثرون وكأنهم نحل تحلّق حول خليته .

فابتكر المعلم الداهية أسلوبا هجوميا جديدا لتأديبنا – أو بالأحرى قنصنا – حيث أمسك بممحاة السبورة وكانت مستطيلة بحجم اليد ، وصلابتها تعادل حجرا – أو بالأحرى رصاصة – فكان يرسل رصاصته على كل مشاغب ..هذا تجلد ظهره ، وذاك يناورها بمهارة ، والآخر يحمي نفسه بضم يديه .

 وفي إحدى قذائفه المشؤومة شاءت الأقدار أن أصاب برصاصته ، فسببت لي جرحا غائرا …لقد حدث الأمر بسرعة ، فالمعلم الماكر كان يسدد رميته على تلميذ محدد ( مصدر الشغب ) ، لكن يبدو أنه أخطأ الهدف فكانت الضربة من نصيبي .

أتذكر لحظتها أني انكمشت خائفا مرتجفا ، لم أحس بأي ألم أو جرح ، فقد كان خوفي أشد ، فالإرهاب النفسي الذي مارسه علينا هتلر هذا فاق تصور عقلي الصغير .

دق جرس الاستراحة فخرجت بكل براءة أستنشق هواء الحرية بعد أن كنت في سجن كئيب أو بالأحرى كابوس مرعب ، فالتقيت بأحد الأصدقاء وهو تلميذ يكبرني بخمس سنوات ، وكان يعتبرني أخاه الأصغر ، فانتبه إلى جرح في رأسي ، وراعه منظر الدماء التي شكلت بركة صغيرة في رأسي المسكين .

إلى هذه اللحظة أتذكر أنهم أخذوني إلى الإدارة ، وقاموا بالاسعافات الأولية ، الحمد لله لم يكن الجرح بذلك الخطر الذي يستدعي نقلي إلى المستشفى ( هكذا قال المدير ) والمدير له قصص وأعاجيب أخرى لوحده .

بعد أن وصل الأمر لوالدي ، قصد المدرسة وكله وعيد وتهديد بالمطالبة بأشد العقوبات للمعلم الوحش . لكن فور أن ولج باب المدرسة أحاط به المدير والمعلمون ، ومن جملتهم قناص الرؤوس ، فشرع يقبل الرأس واليدين ، ودمعه سائل على الخدين ، وذكّره البعض بفضل العفو وعظيم أجره ، وشرع البعض الآخر في تبرير الأخطاء ، وأن المرء معرض للبلاء ، ومادام الطفل ( أي أنا ) بخير وأتماثل للشفاء ، فلله الحمد والبقاء .

وقد اقتنع والدي في النهاية ، ورب ضارة نافعة ، فبعد هذه الحادثة الأليمة ، والتضحية الجسيمة ، أضحى المعلم القناص يعاملنا بلطف ، وحطّ أسلحته الفتاكة عنّا ، ومع هذا لم نهنأ بطيب العيش والدراسة إلى أن رحل .

وتسمر الحكاية إلى موعد آخر إن شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *