الأحد 25 أغسطس 2019
الرئيسية / الشعر العربي / مظاهر التجديد في شعر ابو نواس وأثر ذلك في الشعر العربي
مظاهر التجديد في شعر ابو نواس

مظاهر التجديد في شعر ابو نواس وأثر ذلك في الشعر العربي

سنتحدث في موضوع اليوم عن مظاهر التجديد في شعر ابو نواس ، هذا الشاعر الذي جعل من شعره صورة صادقة لحياته التي لا تقيم فرقا بين الأدب والواقع ، فانغمس ﻓﻲ حياة اللهو والمجون ، وأطلق العنان لأشعاره التي تظهر تمتعه بملكة أدبية ولغوية كبيرة وفريدة .

ولقد خصصنا موضوعا كاملا لحياة الشاعر أبي نواس ، يمكنكم الاطلاع عليه في الرابط التالي :

أبو نواس شاعر الخمر : قصة حياته ، شخصيته ، شعر و قصائد

زعيما التجديد :أبو نواس وبشار بن برد 

 

شاء أبو نواس ، شأن بشار بن برد ، أن يتخذ اﻟﺘﺠدﻴد مذهبا و حركة واضحة المعالم لشعره ، ولما كان ذلك المذهب مخالفا لما ألفه سواد الشعراء السابقين ، ولا سيما المقلدين منهم ، فقد كان أبو نواس ، نظير بشار مجددا ، إلا أن ثمة تباين بين الشاعرين اللذين يعدان بحق زعيمي التجديد في‌ العهد العباسي .

فبينما كان بشار مجددا بعامل اندفاع نفسي ، وملاءمة بينه وبين نزعات عصره ، اتخذ أبو نواس التجديد مبدءا واعيا ، جلي المعالم والأهداف ، يجري على سننه ويدافع عنه ، ويعمل على هدم ما هو مخالف له .

وبين الشاعرين تشابه أيضا من الناحية التقليدية ، وقد اضطرا إلى اصطناع لأساليب من سبقهما وبعض معانيهم إرضاء لذوي السلطان وتقربا منهم للحصول على صلاتهم . زد على ذلك أن الثقافة العربية التي نشأ عليها الشاعران قد أثرت في عقليتهما فمالت بهما إلى التقليد أحيانا عن غير وعي .

 

التقليد عند أبي نواس

 

لم يكن ابو نواس ليعمد إلى التقليد في أكثر الأحيان إلا ﻋن اضطرار . وكان ذلك يورثه شيئا غير قليل من‌ التبرم والضجر لأنه يتكلفه تكلفا ، ولا يخشى أن يقول في مطلع إحدى قصائده المدحية :

أعِرْ شعركَ الأطلالَ والمنزلَ القفرا *  فقد طالما أزرى به نعتُك الخمرا

دعاني إلى وصف الطلول مسلّط  *  يضيق ذراعي أن أردّ له أمرا

فسمعا أمير المؤمنين وطاعة  *  وإن كنتَ قد جشّمتني مركبا وعرا

ولقد ساعد اطلاع أبي نؤاس على الشعر الجاهلي القديم ، وتضلعه من اللغة ، ومقدرته الشعرية ، أن يجيد التقليد إلى حد بعيد ، فيأتي بمديحه مشابها لطريقة الشعراء الأقدمين ، فيقف على الأطلال ، ويذكر الرحيل ، ويصف الناقة أحيانا ، حتى يبلغ الممدوح فيسبغ عليه الأوصاف المعهودة من كرم الأصل والجود ، قصد التكسب والاستجداء .

كما سار على نفس النهج في غرض الرثاء ، وهو إذ يتصنع فيه ولا يجيده ، فلأنه ألف محاربة الحزن والألم طوال حياته ، وانغمس في اللذة حتى تخدرت عواطفه .

 

مظاهر التجديد في شعر ابو نواس : الداعي إلى ذلك

 

كان أبو نواس مدفوعا إلى التجديد و التطور بحكم ما اجتمع له من العوامل الخارجية والنفسية .

– ففي الأوضاع الاجتماعية ، كان لتفشي المجون والخلاعة الأثر الكبير على نفسية أبي نواس المندفعة اندفاعا طبيعيا وجارفا إلى الخلاعة والمجون .

– وفي السياسة احتدم الصراع بين العرب والأعاجم ولا سيما الفرس ؛ فكان من ناحية المتحزبون للعروبة ، ومن أخرى أنصار الشعبوية . وكان أبو نواس ذا عرق فارسي ، أو بالأحرى مغمور النسب ، لا يقيده إيثار عرقي ، وليس له من دافع على التفضيل بين حزب وحزب ، إلا ما يبديه كل منهما من مغريات .

– وفي العلم والفلسفة ، افتتن أبو نواس بأنواع المذاهب والآراء المختلفة التي لم يقل بها العرب الأقدمون .

– وفي الدين ساهمت جرأة البعض على الخوض في مسائل كبيرة وحساسة ، على خلق متنفس كبير لشاعر الخمرة في ﻫذه الناحية .

وعلى الإجمال ، فقد وُجد أبو نواس في بيئة توافق نزعاته الطبيعية أشد الموافقة .

وكان بوسع أبي نواس ، لو شاء ، أن يجري على مثل ما ألفه كثير من الشعراء الذين سبقوه ، فيكون مجددا في الحياة مقلدا في اﻟﺸﻌر .

إلا أن طبعه الصريح ، ونفسه الصابية إلى الحرية ، قد انصرفا به بعيدا عن ذلك التناقض . فنهج خطة حديثة ، لا تكتفي بصوغ النماذج الجميلة في ميدان التجديد بل تسعى في الدفاع عنه وإبراز مزاياه وامتداحها ، ومهاجمة الشعر القديم والحياة العربية السالفة ، وتتناولهما بالتهكم المر .

 

مظاهر التجديد في شعر ابو نواس

 

سنعرض لكم في ما يلي أبرز و أشهر الأغراض الشعرية التي شملتها مظاهر التجديد في شعر ابو نواس :

1 – الهجاء

من الظاهر أن أبا نواس لم يكن من الشعراء المطبوعين على الهجاء ؛ فلم يكن له ، من فطرته ، تلك النقمة الطبيعية على الجنس البشري ، التي تلازم أغلب الهجائين المطبوعين فلا تدعهم يرتاحون إلا إلى كشف النقاب على العيوب وتناولها بالنقد والثلب .

ولم يكن غرامه بالخمرة من جهة أخرى ليفسح لخياله مجال العبث بالصور المشوهة المضحكة التي تتخذها فئة أخرى من الهجائين عمادا لأدبها .

ومع ذلك فقد كان أبو نواس يعمد إلى الهجاء أحيانا ، فيأتي به إما حزبيا دفاعيا ينشر فيه نزعة له سياسية أو عقيدة أدبية ، ويكافح ما ينافيهما من نزعات وعقائد . وهو كثيرا ما يوجه ذلك الشعر إلى العرب عموما ، ويحارب بنوع خاص عقلية الأعراب القدماء .

وهو تارة يطعن في الأسر المالكة وذات النفوذ ، أو يعرض بالقبائل العربية ، وتارة ينحى على عقلية الأعاريب الأقدمين أبناء البادية ، فيفضح ما فيها من سخف وذلة ، وما في حياتهم من جفاء وخشونة .

ففي الصنف الأول ، وهو الذي يتألف من القصائد السياسية ، يتجلى ميله الفارسي وقلة اعتداده بالقبائل العربية ، وفي الصنف الثاني ، وهو الذي يستهل به عادة قصائده الخمرية ، يجهر بشغفه الجم بالحياة الجديدة الواقعية .

ثم هناك هجاؤه الانتقامي الذي يثأر فيه لنفسه ممن لا يقدرون منزلته الشعرية على نحو ما يقدرها هو ، وأخيرا هجاؤه المزحي الذي كان يداعب به أصدقاءه وندماءه ، أو يعارض به منافسيه . وهو ، وإن لم ينطو على نقمة عميقة ، فإنه مع ذلك حاد ومؤلم .

وعلى الإجمال ، فإن مظاهر التجديد في فن الهجاء عند ابي ﻧﻮﺍﺱ شملت : المجاهرة بازدراء العرب والعقلية العربية ، والدعاء إلى التمتع والتوغل في الحياة الحديثة الواقعية اللاهية ؛ وعدم الخشية من مدح الأعاجم ولا سيما الفرس منهم .

أشعار في غرض الهجاء لأبي نواس

قال يهجو قبائل بني تميم :

إذا ما تميميّ أتاك مفاخرا  *  فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضب

تفاخر أبناء الملوك سفاهة  *  وبولك يجري فوق ساقك والكعب

وقال يهجو الخصيب أمير مصر :

نَفَسُ الخصيب جميعه كذبُ  *  وحديثه لجليسه كربُ

تبكي الثياب عليه معولة  *  أن قد يجر ذيولها كلب

وقال يهجو الهيثم بن عدي العالم النحوي :

مررت بهيثم بن عدي يوما  *  وقِدما كنت أمنحه الصفاء

فأعرض هيثم لما رآني  *  كأني قد هجوت الأدعياء

وقد آليت أن أهجو دعيّا  *  ولو بلغت مروءته السماء

وقال يهجو أحد ندمائه :

على خبز إسماعيل واقية البخل  *  فقد حلّ في دار الأمان من الأكل

وقال يهجو مغنيا :

قد نضجنا ونحن في الخيش طرّا  *  أنضجتنا كواكب الجوزاء

فأصيبوا لنا حسينا ففيه  *  عوض عن جليد برد الشتاء

لو تغنى وفوه ملآن جمرا  *  لم يضره لبرد ذلك الغناء

2 – الطرديات

الطرديات ، أو وصف الصيد ، من الأبواب الشعرية التي كانت معروفة عند العرب ؛ إلا أنها حتى عهد أبي نواس لم تقم فنا مستقلا بذاته ، بل كانت كالخمريات تأتي في أغلب الأحيان مدموجة في عرض قصيدة مختلفة المواضيع موجزة في الإجمال ، قلما تتعدى بضعة أبيات .

وقد عُني أبو نواس عناية خاصة بهذا الباب ، لأنه كان من الأمور التي يؤثرها الأمراء ، وأغلبهم مولع بالصيد ومطاردة الفرائس . وكان شاعرنا يخرج بصحبتهم إليه ، ويرجع وملء حقيبته صور رائعة متنوعة ، صور الكلاب والطرائد ، وآلات الصيد ، وسائر ما يستخدم ويُرى في مثل ذلك الحال .

ثم يتحفهم بقصائد في تصوير تلك الأيام اللاهية ، يتناول فيها الصيد من جميع نواحيه ، ويفتن في وصفه ويتمادى ما شاء ، حتى يؤلف لوحات عليها من البراعة والإتقان ما قلما اتفق لسواه . وأبو نواس يكثر في هذا الباب من الصناعة البديعية ، والاستعارات والتشابيه الخيالية ، والصور المستمدة من حضارة العصر المترفة .

قال أبو نواس يصف كلبه الذي انطلق مع الصباح :

وقد اغتدى والصبح مشهور  *  قد طلعت فيه التباشير

بمخطف الايلل في خطمه  *  طول وفي شدقيه تأخير

وقال يصف كلبا وهو يمشي كالمتباهي في مقود صاحبه ، وعلى أن الظبي مكث في تل عال لينجو من ذلك الكلب ، ولكن ظنه خاب حيث عندما أطلقه صاحبه بسرعة فائقة في الأرض الوعرة وإذا به ينقض على فريسته في أعالي الجبال ، إذ يقول :

يجول في المقود كالمختال وانس  *  هجنا به فهاج لنزال

الظبي بتل عال  *  فانسل قلبي ساعة الإرسال

ومر يتلوه ولم يبال  *  وبالحزن والسهل وبالرمال

فصاده في أصعب الجبال  *  وقائل لي وهو عن حيالي

أكرم بهذا الكلب من محتال !  *  أتيح حتف الظبي والأوعال

3 – الزهديات

هو العنوان الذي ألف النقاد إطلاقه على تلك القصائد القليلة التي قالها أبو نواس في أخريات أيامه ، وقد تحطمت قواه ، وقعد به العجز عن تتبع الملاهي ، فانكفأ على نفسه يسبر ، بعين موجعة وقلب كسير ، غور المعاصي التي ملأ بها حياته ؛ فهاله ذلك المشهد القاتم ، وأقبلت نفسه على التوبة .

وزهديات أبي نواس هي من الشعر الغنائي الخالص ؛ هي نغمات شجية يتراجع فيها نواح قلب صادق الألم والخوف والندم والزهد في الدنيا ؛ هي على قلتها ، من أجمل شعر أبي نواس ، وأرقه ، وأعمقه عاطفة ، وأبعده تأثيرا ، وأصدقه عبارة .

قال أبو نواس في قصيدته ” سبحان علام الغيوب ” :

سبحانَ علاَّمِ الغيوبِ  *  عَجَباً لتَصريفِ الخُطوبِ

تَغدو عَلى قَطفِ النُفو  *  سِ وَتَجتَني ثَمَرَ القُلوبِ

حتى متى ، يا نفسُ، تَغَـ  *  ــتَرّينَ بالأملِ الكذوبِ

يا نَفسُ تُوبي قَبلَ أنْ  *  لا تَستَطيعي أنْ تَتُوبي

وَاِستَغفِري لِذُنوبِكِ ال  *  رَحمَنَ غَفّارَ الذُنوبِ

إِنَّ الحَوادِثَ كَالرِيا  *  حِ عَلَيكِ دائِمَةَ الهُبوبِ

و الموتُ شرعٌ واحدٌ ،  *  و الخلْقُ مختلفو الضّروبِ

وقال في قصيدة التوبة المشهورة :

يا ربِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً  *  فلقد عَلِمْتُ بِأَنَّ عفوك أَعْظَمُ

إِنْ كَانَ لاَ يَرْجُوكَ إِلاَّ مُحْسِنٌ  *  فَمَن الذي يَدْعُو ويَرْجُو المجرم

أَدْعُوكَ رَبِّ كما أمرت تَضَرُّعاً  *  فَإِذَا رَدَدَّتَ يَدِي فمن ذا يَرْحَمُ

مَالِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلاّ الرَّجَا   *  وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثُمَّ إِنِّي مُسْلِمُ

4 – الغزل

لم يكن مزاج أبي نواس ومذهبه في الحياة اللاهية الشاردة وراء اللذة الوقتية ، ليتيحا له اكتناه الحب الصحيح الخالص ، أو ليجعلاه يوما من العاشقين ، وهو إذا تغزل يصطنع الغزل اصطناعا ، ومع ذلك فقد يبلغ أبو نواس أحيانا ، في غزله هذا ، إلى شيء من إجادة فنية لا تخفي ما في جيّده من مخادعة في العاطفة ، وتكلف باد ، ورديء ساقط .

قال في حبيبته جنان :

وجه حبيبتي جناء دنيائي  *  ترتع فيه ظباء أهوائي

تصطادها أكلب الصدود إذا  *  يدعو إليها الهوى بإيماء

حسوت من كفها على طرب  *  من قهوة في الزجاج صفراء

نجومها في الكؤوس إذا طلعت  *  أفلاكها مزجت بأمواء

ثم لأبي نواس صنفا آخر من الغزل ، يكاد يكون جديدا في الأدب العربي ، وهو التشبيب بالغلمان والغلاميات ، والغلمان جماعة من الفتيان المتخنثين ، المسرفين في التظرف والتبرج ، أما الغلاميات فجوار متطرفات خليعات ، يتخدن المظاهر الملفقة ، ويتزيين بزي الفتيان .

وقد كان أبو نواس مغرما بتلك الظواهر فوصفها ، وتغزل بهن في شعر يلائمهن خفة وسوء أدب ، وإباحة ، من غير تغلغل إلى العاطفة الصادقة والجمال الحق .

وفي هذا يرى الأديب الناقد الدكتور يوسف بكار ، أن انتشار العادات الفارسية في المجتمع العباسي ولا سيما السيئة منها ، ساهم في خلق جبهة تهوى هذا النوع من الانحراف والمجون ، وشُفعت تلك الحرية بمباركة السلطان لها ، فغدا إتيان المعاصي مبررا لكون السلطان نفسه يأتيها ، والناس على دين ملوكهم .

قال أبو نواس :

احمدوا الله جميعا  *  يا جميع المسلمينا

ثم قولوا لا تملوا  *  ربنا ، أبق الأميـنا

صيّر الخصيان حتى  *  صيّر التعنين دينا

فاقتدى الناس جميعا  *  بأمير المؤمنيـنا

5 – الخمريات

أبو نواس شاعر الخمرة غير منازع ، والخمرة عروس شعره الحقيقية ، وفيها تجلت عبقريته المجددة التي رفعته فوق السابقين واللاحقين ، فكان زعيم شرّاب الخمرة ، كما كان زعيم القائلين فيها ؛ وقد جعل لها في الأدب العربي بابا مستقلا كاملا .

ولما كان أبو نواس واقعيا وأراد الكلام على الخمرة ، لم يتغن في شعره هذا إلا بالواقع ، ولم يكد يعتمد فيه على غير الحس ؛ فهو يتناول الخمرة كما تقع في حواسه . وإذا كان يعبد الخمرة ويعشقها فقد تقصى الكلام عليها ، ولم يدع فيها واردة ولا شاردة إلا التفت اليها وأحاط بها وأثبتها ، مما يتعلق بمنظورها ومشمومها ومذاقها وتأثيرها في الحس وفي النفس .

وخلص عميد الأدب طه حسين في تحليله لخمريات أبي نواس إلى القول : ” إن أبا نواس في شعره الخمري كان يرمي إلى غرضين : أحدهما الاعتراف بالجديد في الأدب ، والآخر الاعتراف بالجديد في الحياة ” .

قال في قصيدته المشهورة ” لا تلمني ” :

دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ  *  وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ

صَفراءُ لا تَنزَلُ الأَحزانُ ساحَتَها  *  لَو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتهُ سَرّاءُ

مِن كَفِّ ذاتِ حِرٍ في زِيِّ ذي ذَكَرٍ  *  لَها مُحِبّانِ لوطِيٌّ وَزَنّاءُ

قامَت بِإِبريقِها وَاللَيلُ مُعتَكِرٌ  *  فَلاحَ مِن وَجهِها في البَيتِ لَألأُ

فَأَرسَلَت مِن فَمِ الإِبريقِ صافِيَةً  *  كَأَنَّما أَخذُها بِالعَينِ إِغفاءُ

رَقَّت عَنِ الماءِ حَتّى ما يُلائِمُها  *  لَطافَةً وَجَفا عَن شَكلِها الماءُ

فَلَو مَزَجتَ بِها نوراً لَمازَجَها  *  حَتّى تَوَلَّدُ أَنوارٌ وَأَضواءُ

وقال أيضا :

ألا فاسقِني خمراً، وقل لي : هيَ الخمرُ  *  ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ

فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة  *  فإن طال هذا عندَهُ قَصُرَ الدهرُ

وما الغَبْنُ إلاّ أن ترَانيَ صاحِيا  *  و ما الغُنْمُ إلا أن يُتَعْتعني السكْرُ

فَبُحْ باسْمِ من تهوى ، ودعني من الكنى  *  فلا خيرَ في اللذّاتِ من دونها سِتْر

ولا خيرَ في فتكٍ بدونِ مجانة  *  ولا في مجونٍ ليس يتبعُه كفرُ

ختاما

تلك كانت أبرز مظاهر التجديد في شعر ابو نواس ، والتي حاولنا أن نستقيها مختصرة قدر الإمكان من مصادر الأدب المعروفة ، ومما لا يدع مجالا للشك ، فقد خلّف هذا الشاعر العبقري ، موروثا شعريا حافلا بالمفردات اللغوية القويمة والتعابير البلاغية الرصينة ، وإن كان يعاب عليه مجونه وانحرافه .

مصادر :

– تاريخ الأدب العربي ( حنا الفاخوري ) .

– ديوان : أبو نواس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.