الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / الأدب العربي / نص وصفي عن الطبيعة : عندما يتفنن الأديب في وصف جمال الطبيعة
نص-وصفي-عن-الطبيعة

نص وصفي عن الطبيعة : عندما يتفنن الأديب في وصف جمال الطبيعة

هل وقفت مرة أمام مشهد طبيعي جميل ملأ نفسك بالسعادة والراحة ؟ هل شدّك صفاء مياه الأنهار ، والطيور تتغنى فوق الأغصان ، وعطر فسيح تناثرته الأزهار ؟ إن الطبيعة مملوءة بمشاهد الجمال ، ولكن قلما يوجد من يقدر على أن يفي هذا الجمال حقه مثلما فعل الأديب والشاعر المرهف الإحساس ميخائيل نعيمة ، فكما رأينا في موضوع سابق ( قصيدة النهر المتجمد ) حيث وقف الشاعر يرثي صديقه النهر بأعذب الكلمات ، وها هو اليوم يتفنن في وصف جمال الطبيعة ، وذلك في نص وصفي ممتع وجميل .

بجانب الينبوع

أنا مستلق على صخرة دهرية بيضاء ، فيها نواتئ مسنّنة كالحراب ، تتخللها منبسطات ملسة ككف العذراء . من ورائي صخور تتعالى إلى السماء وتطرح علي سترا من الظل ناعما كالمحبة ، بيني وبين تلك الصخور قناة تتسابق منها قطرات الماء متهامسة فوق الحصى وبين الأعشاب ، متهللة عند انحدارها من أعلى ، ناشرة في الهواء أنفاسها البليلة ، وأشعر بمرّ أنفاسها على وجهي .

تحت السماء

فوق رأسي سماء كيفما قلبت طرفي لا يقع فيها على شبه غيمة . هي زرقاء زرقاء ، وبعيدة بعيدة . أن أعرف أن تلك النقطة الغبراء فيها ليست غبارا ولا دخانا بل هي نسر أسبل جناحيه القويين وراح يدور في الفضاء محدقا بالأرض ، باحثا فيها عن فريسة يجعلها عشاء ليلته أو عشاء صغاره .

البقرة السعيدة

عن يميني مرجة خضراء ، وعلى بساطها الأخضر قد تمددت بقرة سمراء حلوب ، تبارك الله ما أكبر درّها ! هي ناعمة البال ، مطمئنة القلب ، وما همها والمرعى خصب والمورد عذب وابنتها بجانبها تجتر ، فتغمض عينيها على مهل ثم تفتحهما على مهل ، وبين الآونة والأخرى تطرد البرغش عن وجهها تارة بأذنها اليمنى وطورا باليسرى ، أسمع كيف تطحن الجرة بين فكيها فأشتهي لو كان لي ما أعلكه مثلها .

أجواق طيور الحساسين

عند أسفل الشجرة ، حيث أنا ، بلوطة كبيرة منبسطة الفروع والأغصان ، بين أوراقها أجواق من الحساسين ترفرف من غصن إلى غصن ، وقد علت زقزقتها حتى كأنها في عرس أو مهرجان من الألحان . لقد زارت الحقل في نهارها ففرش الحقل أمامها خيراته ، وقصدت النبع فرواها النبع بقطراته ، واستدفأت الشمس فغمرتها الشمس بأنوارها .

كان الربيع فبنت أعشاشها ، وباضت ونقّرت وأنمت فراخها ، وجاء الصيف فلم يبق لها من همّ سوى الصيد ، ومن تسلية سوى التغريد ، والصيد وافر فعلام لا تغرد ؟

نظرة وتحليل

مصدر هذا النص الوصفي الرائع عن الطبيعة ، كتاب المراحل للأديب الشاعر ميخائيل نعيمة ، سليل مدرسة أدباء المهجر بقيادة صاحب كتاب النبي جبران خليل جبران ، لقد أجاد الوصف بشكل جعلني كقارئ أعيش معه اللحظة والمتعة والشعور .

استلقى على صخرة ضربت في القدم وأتى عليها دهر طويل ، استلقى عليها وهو يناجي ذكريات الماضي الجميل ، استلقى وهو يشاهد منظر انحدار الماء بقطراته المفعمة بالحياة والأمل والحرية – آه لهذا الوصف آه – .

استلقى وهو يشاهد سماء الله الواسعة ، والتي بدت لشاعرنا كنسر عظيم أفرد جناحيه ، ودار في الفضاء يراقب فريسة ينقض عليها ، إنه نداء الطبيعة الفطري الأخاذ ، إنه قانون الغاب ..بل وصية الأجداد ، في القدم والأصالة والعطاء .

استلقى وهو يشاهد عن يمينه بقرة سعيدة هانئة ، لطيب المرعى ، وموفور الكلأ ، فجمال الطبيعة وخضرتها أضفت على الإنس والحيوان شعورا بالإطمئنان والراحة ، فجلبت معها الأمن والأمان ، واليسر والهناء ، والمرعى والصيد ، لوحيش الحيوانات وأليفها ، وانظر إلى ابنة البقرة كيف تلوك العشب بين فكيها بكل هدوء وسكينة ، حتى أن الشاعر اشتهى أن يتلذذ مثلها .

أما الفرحة الكبرى ، والبهجة الغامرة ، كانت من نصيب الطيور التي سرّها افتراش الأرض خضرة وألوانا زاهية ، فإن طلبت المطعم وجدت خيرا كثيرا ، وإن طلبت مشربا وجدت النهر فاردا ذراعيه لها ، والشمس من فوقها تدفئ أجنحتها ، الشيء الذي وفر كل الوسائل لتبني أعشاشها ، وتنمو فراخها لتروي لهم قصة سعيدة عنوانها : ‘ جمال الطبيعة ‘ .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *