الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / شرح قصيدة ابتسم لإيليا ابو ماضي : عزف على أوتار التفاؤل والأمل
شرح قصيدة ابتسم لإيليا ابو ماضي

شرح قصيدة ابتسم لإيليا ابو ماضي : عزف على أوتار التفاؤل والأمل

هل أرهقك عملك الشاق ومللت ذلك الروتين المتكرر ؟ هل أصابك الإحباط فكرهت نفسك وكرهت العالم وكل شيء ؟ هل أثقلتك المشاكل ؟

الحل جد بسيط وهو أن تبتسم ! ربما ستضحك ساخرا – ولا ألومك – لكن صدقني أن الابتسامة تقودك إلى الإيجابية ، والإيجابية تفتح لك أبواب النجاح والأمل والعزيمة بعد أن تتوكل على الله تبارك سبحانه . تلك هي فلسفة الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي في قصيدته ‘ ابتسم حيث يكشف سر وقوة تأثير الابتسامة ، فدعونا نكتشف القصيدة .

قال : السماء كئيبة ! وتجهّما

قلت : ابتسم ! يكفي التجهم في السما !

قال: الصبا ولّى ! فقلت له : ابتــسم !

لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

قال : التي كانت سمائي في الهوى

صارت لنفسي في الغرام جــهنما

خانت عهودي بعدما ملّكـتها

قلبي ، فكيف أطيق أن أتبســما !

قلت : ابتسم و اطرب فلو قارنتها

لقضيت عمرك كله متألما

قال : الــتجارة في صراع هائل

مثل المسافر كاد يقتله الـــظما

أو غادة مسلولة محــتاجة

لدم  و تنفث كلما لهثت دما

قلت : ابتسم ! ما أنت جالب دائها

وشفائها ؛ فإذا ابتسمت فربما

أيكون غيرك مجرما ، و تبيت في

وجل ، كأنك أنت صرت المجرما ؟

قال : العدى حولي علت صيحاتهم

أأُسرّ ، و الأعداء حولي في الحمى ؟

قلت : ابتسم ! لم يطلبوك بذمهم

لو لم تكن منهم أجلّ و أعظما

قال : المواسم قد بدت أعلامها

و تعرضت لي في الملابس و الدمى

و عليّ للأحباب فرض لازم

لكن كفّي ليس تملك درهما

قلت : ابتسم ! يكفيك أنك لم تزل

حيا ، و لست من الأحبة معدما

قال : الليالي جرّعتني علقما

قلت : ابتسم ! و لئن جرعت العلقما

فلعل غيرك إن رآك مرنما

طرح الكآبة جانبا و ترنما

أتُراك تغنم بالتبرم درهما

أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما ؟

يا صاح ، لا خطر على شفتيك أن

تتثلّما ، و الوجه أن يتحطما

فاضحك ! فإن الشهب تضحك و الدجى

متلاطم ، و لذا نحب الأنجما !

قال : البشاشة ليس تسعد كائنا

يأتي إلى الدنيا و يذهب مرغما

قلت : ابتسم ! مادام بينك و الردى

شبر ، فإنك بعد لن تتبسما !

تحليل وشرح قصيدة ابتسم

 

يا لها من كلمات تغوص في أعماق قلبك فتحيي فيه أمل الحياة ، ونغم التفاؤل ، فترسم على محيّاك أجمل ابتسامة . فالشاعر إيليا أبو ماضي يدعو في هذه القصيدة صراحة إلى المرح والحبور ، وقد نسجها على شكل حوار جميل بينه وبين شخص آخر دائم الشكوى والتشاؤم .

شرح بعض الكلمات الغامضة

– تجهّم : صار عابس الوجه .

– غادة مسلولة : امرأة ناعمة مصابة بداء السل .

– معدم : المحتاج إلى المال .

– العلقم : النبات المرّ

– التبرّم : الضجر والقلق .

تتثلم : يصير فيهما شق وجرح .

الردى : الموت .

قصيدة ابتسم للشاعر إيليا أبو ماضي تحمل في أعماقها معاني الأمل والإيجابية اتجاه المشاكل والعوائق التي يصادفها الإنسان فتحيط به وتؤثر على حياته ، هذه المشاكل أبان الشاعر عن خبرة واحترافية في معالجتها ، فلعب دور الطبيب النفساني ، والمرشد الاجتماعي ببراعة منقطعة النظير .

فهاهو الرجل يشتكي من الجو الكئيب ، فينصحه بالابتسامة فهي خير ملطّف للجو ، – بل كيف يشتكي من أحوال هي بيد العزيز الحكيم سبحانه ! – وينتقل بعدها إلى الشكوى من كبر السن وحاله كلسان الشاعر :

ألا ليت الشباب يعود يوما  *  فأنبئه بما فعل المشيب 

فينصحه الشاعر بدواء الابتسامة فهي تحفظ للشباب والشيب صحتهم ونشاطهم ، بل إن البكاء على الشباب لن يعيده ، والأحرى أن ينظر المرء للشيب نظرة حكمة ووقار ، لينتقل الرجل بعدها إلى المشاكل العاطفية ، ويذكر خيانة حبيبته وتنكرها له بعد أن وهبها قلبه ، ويستنكر على الشاعر في هذه الحالة أن يدعوه إلى الابتسامة .

قال : التي كانت سمائي في الهوى

صارت لنفسي في الغرام جــهنما

خانت عهودي بعدما ملّكـتها

قلبي ، فكيف أطيق أن أتبســما !

لكن الشاعر وبتفاؤل كبير جدا يؤكد له أن الابتسامة هي الحل الذي سيساعده على نسيان جرح الحبيب ، وإلا فسيقضي عمره كله يتذكر هذه الآلام فيزيد من جرحه عمقا .

مثال وتشبيه رائع

 

وبكلمات تنساب جمالا وروعة يتطرق الشاعر إلى أزمة اقتصادية في صورة سؤال من الرجل ، حيث يشتكي من صراع الناس الكبير حول التجارة وكنز الأموال ، كالمسافر الذي كاد يموت عطشا ، أو المرأة المصابة بداء السل في كل دقيقة تسعل دما ، ولعمري أنه أجاد فبرع .

قال : الــتجارة في صراع هائل

مثل المسافر كاد يقتله الـــظما

أو غادة مسلولة محــتاجة

لدم  و تنفث كلما لهثت دما

ويواصل الشاعر حواره مع الرجل الذي يشتكي تارة من تكالب الأعداء عليه ، وتارة من قلة المال ، فيصف له الدواء السحري المجاني المدهش ، وهو الابتسامة ، ويدعوه إلى أن يتأمل الكواكب والنجوم كيف تتبسم بنورها الوهاج ، فتضفي أملا على القلوب الشقية المكلومة .

خلاصة القول 

 

قصيدة ابتسم لإيليا أبو ماضي تمثل التفاؤل بأسمى معانيه ، وإن عارضه البعض في هذه المبالغة إلا أن المغزى العميق من قصيدته هو دعوة إلى محاربة اليأس الذي قبع في النفوس واستوطن فيها ، فزرع الإحباط في نفس العامل والتاجر والصانع والطبيب والأب والزوج ، كل واحد ألهته مغريات الحياة عن كل ما يدعو إلى التفاؤل . وكأني بالشاعر يقدم الوصفة النبوية العظيمة ‘ تبسمك في وجه أخيك صدقة ‘ ، ولا عجب في ذلك فإيليا أبو ماضي من أبرز أعضاء الرابطة القلمية لأدباء المهجر بقيادة الشاعر جبران خليل جبران .

وهو من رواد الفلسفة والفكر الرومنطقي الذي يقوم على العناية بالنفس الإنسانية ، ويلامس جوانبها الروحية والعاطفية ، وهذا ما لمسناه في قصيدة ابتسم ، والتي عنى بانتقاء الألفاظ التي تنفّس عن الإنسان ، بل يلاحظ أنه أكثر من حرف السين لما له من غاية تنفيسية كما أشرنا .

أما من ناحية الأساليب البلاغية فقصيدة ابتسم تزخر بألوان مبتسمة من التعابير اللغوية الجميلة ، فمن الأسلوب الخطابي الحواري الذي مكّن الشاعر من إيصال موضوعه بأسهل الطرق ، إلى التشابيه الرائعة التي جعلت القارئ يعيش ذلك الجو المؤنس ( قال : السماء كئيبة – الشهب تضحك ) ، ومن ثم أسلوب الاستفهام الذي يجعل الشاعر يتحكم بأدوار الحوار والأحداث في قصيدته كما يشاء ، ليصل إلى هدفه النهائي ومقصده الكبير ، وهو الدعوة إلى التفاؤل في الحياة .

إن حجم التفاؤل الكبير الذي طغى على الشاعر مردّه في الحقيقة الشعور بالقلق والحزن ، أي أنه جعل من حزنه وقودا يولّد تفاؤلا لا ينقطع خيطه ، وفي ذلك يرى الأديب المؤرخ شوقي ضيف أن تفاؤل أبي ماضي لم يكن فارغا من القلق والحيرة والإحساس بالأسى والألم ، واقتران تفاؤله بهذا الإحساس هو الذي أعطاه حدته وتوهجه  .

ولمن أراد الاطلاع على حياة الشاعر إيليا أبو ماضي يرجى زيارة الرابط أسفله :

معلومات عن الشاعر إيليا أبو ماضي : رائد المدرسة الرومنطيقية

مراجع :

– ديوان إيليا أبو ماضي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *