الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / الشعر العربي / معلومات عن الشاعر أبو القاسم الشابي : طائر تونس الحر الخالد
معلومات عن الشاعر أبو القاسم الشابي

معلومات عن الشاعر أبو القاسم الشابي : طائر تونس الحر الخالد

من بلاد العلامة ابن خلدون ، تونس البهية الخضراء ، نقف بكم عند شاعر الوجدان والثورة والحياة ، شاعر القيد المنكسر ، والألم المندثر ، الرجل الذي غنى للحياة والموت ، شاعر تونس الخالد أبو القاسم الشابي .

 

من هو أبو القاسم الشابي ؟

 

هو أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الشابي ، ولد سنة 1909 في منطقة الجريد على مقربة من بلدة توزر التونسية . تلقى علومه الأولى على يد والده الذي اشتغل بدار القضاء ، ويقول أبو القاسم عن والده : ‘ إنه أفهمني معاني الرحمة والحنان ، وعلمني أن الحق خير ما في هذا العالم ، وأقدس ما في هذا الوجود  ‘ .

في سنة 1920 التحق الشابي بجامعة الزيتونة أين نهل من شتى العلوم وأصنافها ، وقد كان شغوفا بالمطالعة والغوص في أعماق الكتب ، كما نهل من أدب النهضة الشيء الكبير ، وعلى غرار الشاعر جبران خليل جبران ، تأثر بأدب الرومنطيقية الفرنسية ، فقد شدته كتب الغرب الأدبية التي ترجمت إلى العربية .

في عام 1928 تزوج أبو القاسم تلبية لرغبة والده ، ورزق طفلين ، ليفجع بعدها بعام بوفاة والده ، الشيء الذي قلب حياته رأسا على عقب ، وبدت له ظلال التشاؤم واليأس تحيط بحياته ، إذ كان والده يوفر عليه كل ضروريات العيش ، وبما أنه الأكبر بين إخوته ، فقد تولى أبو القاسم رعايتهم ، متحملا أعباء المسؤولية بنفسه . هذه الصدمة خلفت ألما عميقا في نفس الشاعر  ، وانعكس ذلك في قوله :

يا موت قد مزقت صدري   *  وقصمت بالأرزاء ظهري

وفجعتني فيمن أحب  *  ومن إليه أبث سري

وأعدّه غابي ومحرابي *  وأغنيتي وفجري

ورزأتني في عمدتي  *  ومشورتي في كل أمري

ويبدو أن تأثير  وفاة والده قد فاق التصور ، إذ أصيب في العام نفسه بداء تضخم القلب ، ولم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمره ، واشتدت عليه الآلام حين لم يأخذ بنصائح الأطباء له بالإخلاد إلى الراحة ، وأصرّ على مواصلة عمله وفي نفسه ثورة على الحياة .

 

مؤلفات أبو القاسم الشابي

 

بالرغم من أن الشابي مات وهو في ريعان شبابه إلا أنه خلّف عددا كبيرا من  الآثار الأدبية ، والتي تنمّ عن عبقرية فذة تفوق فيها الشاعر وبقوة على أقرانه من الأدباء والشعراء ، ويمكن تقسيم قصائد و مؤلفات الشابي إلى :

1 – آثار مطبوعة :

– أغاني الحياة : وهو ديوان مهم اعتنى الشاعر بترتيب قصائده وتنقيحها .

– الخيال الشعري عند العرب : محاضرة ألقاها الشابي في القاعة الخلدونية بدعوة من النادي الأدبي لجمعية قدماء متخرجي مدرسة الصادقية .

– يوميات الشابي : وهي مذكرات نشرت في الدوريات والمجلات قبل موته وبعده .

2 – آثار مخطوطة :

– جميل بثينة ( قصة ) .

– صفحات دامية ( قصة ) .

– المقبرة ( رواية ) .

– السكّير ( مسرحية ) .

– مجموعة من الرسائل .

– مذكرات الشابي .

 

المعاني الوطنية في شعر أبو القاسم الشابي

 

لقد حمل الشابي في قلبه حب الوطن ومحاربة التخلف والجهل ، إذ أدرك جليا مدى خطورة الأفكار والسيطرة الاستعمارية على العقول وحشوها بكل ما يبقيها فقيرة جاهلة وجائعة ، فثار رغم آلامه ومرضه يزرع الحماس في قلوب المواطنين ، ويوقظ الضمائر المسلوبة الإرادة ، ويدعو بنهضة وثورة على الجهل والذل والظلم ، وقد عانى كثيرا أمام صدود غالبية الناس واستنكارهم لأفكاره ، يقول الشابي :

أيها الشعب ، ليتني كنت حطابا  *  فأهوي على الجذوع بفأسي

ليتني كنت كالسيول إذا سالت  *  تهدّ القبور رمسا برمس

ليت لي قوة العواصف يا شعبي  *  فألقي إليك ثورة نفسي

ليت لي قوة الأعاصير  لكن  *  أنت حي يقضي الحياة برمس !

وفي قصيدة ‘ تونس الجميلة ‘ يصور حياة التعسف والاضطهاد التي يعانيها مجتمعه ، فيقول :

لَسْتُ أبْكي لِعَسْفِ لَيْلٍ طَويلٍ  *  أَوْ لِربعٍ غَدَا العَفَاءُ مَرَاحهْ

إنَّما عَبْرَتِي لِخَطْبٍ ثَقِيلٍ  *  قد عَرانا ، ولم نجد من أزاحهُ

كلّما قامَ في البلادِ خطيب  *  مُوقِظٌ شَعْبَهُ يُرِيدُ صَلاَحَهْ

ألبسوا روحَهُ قميصَ اضطهادٍ  *  فاتكٍ شائكٍ يردُّ جِماحَهْ

ضَيَّعَ الدَّهْرُ مَجْدَ شَعْبِي وَلكِنْ  *  سَتَرُدُّ الحَيَاة ُ يَوماً وِشَاحَهْ

 

أبو القاسم الشابي شاعر الوجدان والألم

 

من بين ثنايات حياة آملة يشوبها ألم يائس عاش الشابي حياة غلب عليها طابع التبرم والسخط والتشاؤم ، وإذا نظرنا إلى خط سير حياته والأحداث التي طالتها فستتضح لنا البوثقة التي جُمع فيها الخليط المكون لشخصية الشاعر ، فمن فقدان الوالد إلى هموم الوطن انتهاء بمرضه العضال والذي جعله ينشد الموت في كل لحظة وحين :

قد كنت في زمن الطفولة والسذاجة والطهور

أحيا كما تحيا البلابل والجداول والزهور

واليوم أحيا مرهق الأعصاب ، مشبوب الشعور

هذا مصيري يا بني أمي ، فما أشقى المصير !

والرومانسية في شعر الشابي وليدة ثورة وألم وأحزان ، مما ولد له شعورا بالتمرد وكسر القيود ، فهو إن كان يتفق مع شاعر التفاؤل إيليا أبو ماضي في نظرته إلى الحياة أنها زائلة وفانية ، إلا أنه يقف في مواجهة حقيقة الموت الحتمية بصمود وشجاعة ، وهو هنا يتأرجح بين إيمان راسخ تولد إثر تربيته الدينية الكبيرة ، وشك متذبذب فرضته تيارات العقلانية والفلسفة الأدبية الغربية ، ويقول في ذلك الأديب المؤرخ حنا الفاخوري :

‘ نظر الشابي إلى الوجود نظرة تشاؤم ، واصطرعت في نفسه نظريتان ، نظرية الإيمان ، ونظرية الشك  . وذلك أنه نشأ في بيت عامر بالتدين فامتلأت روحه ، وامتلأ قلبه وكيانه بعبق الروح وبنعمة الإيمان ، وتناهت إليه تيارات العقلانية التي عصفت بفرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، والتي زعزعت إيمان الكثيرين ، ثم تراكمت في حياته النكبات والآلام التي قدمت له سوانح للتساؤل في موضوع الماورائيات ، وكاد يضطرب إيمانه أحيانا ، ولكنه تغلب على الشك بما في أعماقه من عقيدة راسخة ‘ .

خبّروني هل للورى من إله راحم – مثل زعمهم – أواه !

إنني لم أجده في هاته الدنيا فهل خلف أفقها من إله ؟

لكن سرعان ما يتدارك الشاعر شكه بيقين راسخ فيقول :

ما الذي قد أتيت ، ياقلبي الباكي ، وماذا قد قلته ، ياشفاهي ؟

يا إلهي ، قد أنطق الهم قلبي بالذي كان ، فاغتفر ، يا إلهي !

 

أبو القاسم الشابي شاعر الإنسانية

 

بالرغم من كل آلام الشابي وتمرده وسخطه ، إلا أن قلبه كان يحمل بذرة مليئة بالخير والحب والأمل ، إذ كان يحلم بعالم يسوده السلام ، ولا يعيش فيه الإنسان شقاء وحروبا .

فما المجد في أن تسكر الأرض بالدّما  *  وتركب في هيجائها فرسا نهدا

ولكنه في أن تصد بهمة  * عن العالم المرزوء ، فيض الأسى

وينظر لأحوال الناس وما يعانونه من مآسي ويدعو لمشاركتهم آلامهم :

يا رفيقي ! أما تفكرت في الناس ، وما يحملون من آلام ؟

كم بقلب الظلام من أنة   *  تهفوا بغصات صبية أيتام 

فإذا سرّني من الفجر نور  *  ساءني ما يُسرّ قلب الظلام

وينادي طائر الشعر أن يخفف عن أصحاب القلوب الكئيبة أحزانهم وآلامهم :

يا طائر الشعر ! روّح على الحياة الكئيبة 

وامسح بريشك دمع القلوب فهي غريبة

وعزها عن أساها فقد دهتها المصيبة 

 

وفاة أبو القاسم الشابي

 

هذا هو شاعر الحياة المحارب ، فنظرته الثورية التشاؤمية النابعة من رحم المعاناة ، ما هي إلا تشبت بالحياة وتمسك بالصبر على المصاعب والمصائب ، وما ديوانه الخالد ‘ أغاني الحياة ‘ إلا دليلا على تعلق الشاعر بالأمل والحياة ، إذ أن كلمة الحياة تفوقت وبقوة على كلمة الموت في ديوانه .

تفاقم المرض على الشاعر في آخر أيامه ، فهزل جسده ، وهو الفتى الشاب الذي كان مولعا بممارسة الرياضة والتنزه بين جنبات الطبيعة ، يقول الشابي : ‘ ها هنا صبية يلعبون بين الحقول ، وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ، ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر عليّ ذلك ؛ لأن بقلبي ضعفا . آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ، ومستودع أحزاني ، وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية ‘ .

وأسلم الشاعر الروح لبارئها في الثالث من أكتوبر سنة 1934 ، بمستشفى الطليان ، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه توزر أين ووري الثرى . رحل الشاعر الشاب مخلفا كلمات خالدة تفوح حرية وثورة وصمودا أمام مصاعب الحياة .

مراجع ومصادر :

– أبو القاسم الشابي ، عبقرية فريدة وشاعرية متجددة ( دراسة ومختارات د.سحر عبد الله عمران ) .

– تاريخ الأدب العربي ( حنا الفاخوري ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *