بحث عن أبي الطيب المتنبي : الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس

موضوع اليوم عن شاعر معتز بنفسه وكبريائه ، ينشد الشموخ في كل شيء ، فالليل والخيل والبيداء تعرفه ، والرمح والسيف والقرطاس والقلم !

إنه شاعر اللغة العربية الذي شغل الدنيا والناس : أبو الطيب المتنبي ، فدعونا نتعرف عليه .

 

من هو أبو الطيب المتنبي ؟

 

هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الجعفي ، ولد في محلة كندة بالكوفة حوالي سنة 915 ، وكان والده يعرف بعبدان السقاء ، يسقي الماء لأهل قبيلته ، لذا نجد الشاعر دائما يترفع عن ذكر نسبه ، ويستعيض عنها بقدر نفسه وجليل أعماله ، فيقول :

لا بقومي شَرُفت بل شرفوا بي  *  ونفسي فخرت لا بجدودي

وقد لاحظ عليه أبوه وهو صغير علامات النباهة والذكاء فألحقه بإحدى مدارس الكوفة ، ثم رحل إلى بادية السماوة لينهل من ينابيع اللغة العربية الفصيحة ، حيث فتح لها قلبه فأعطته أسرارها ، فكان شاعر اللغة العربية بحق .

لماذا سمي المتنبي بهذا الاسم ؟

 

كثيرة هي الروايات التي تضاربت حول سبب تسمية المتنبي بهذا الاسم ، إلا أنهم اتفقوا على أنه سجن في فترة عرفت صراعات وفتن ودعوات سياسية مختلفة ، وفرق دينية متباينة ، فأدلى المتنبي بدلوه في هذا المضمار ، وهو الإنسان الطموح .

ومن هذه الروايات أنه خرج إلى الشام مدعيا النبوة ، منصبا نفسه داعية من دعاة مذهب الإسماعيلية ، فحُبس حتى استتاب ثم أطلق سراحه .

في حين يرى آخرون أن أصل لقب المتنبي يعود لبعض أبيات شعره ، ولتعاليه الدائم وتعاظمه ، وهو ما يذهب إليه ابن جني ، حيث يرى أن سبب هذا اللقب يعود إلى قول المتنبي :

أنا في أمة تداركها الله  *  غريب كصالح في ثمود

ويبدو أن دعوى المتنبي كانت سياسية ، إذ هو نفسه يعترف بها فيقول :

ما مُقامي بأرض نخلة إلا  *  كمقام المسيح بين اليهود

دعوات أثارت عليه الأقاويل والضغائن ، فلا عجب أن يلقب بالمتنبي ، وعلى كل حال لا يهمنا دعوى هذا الشاعر بقدر ما يهمنا ما خلفه لنا من أبيات خالدة تحمل سحر اللغة العربية الأخّاذ .

 

المتنبي الشاعر الباحث عن المجد

 

ظل المتنبي يتنقل مرتحلا في أنحاء البلاد يبحث عن المجد والسؤدد ، ممتلكا طموحا يناطح السحاب ، لكن الحاجة إلى المال كانت تدفعه إلى المدح قصد التكسب ، لكن قلما جاد عليه ممدوحوه بما يرضي نفسه ، ويقول في ذلك :

أين فضلي إذا قنعتُ من الدهـ  *  ر بعيش معجّل التنكيد

ضاق صدري وطال في طلب الرز  *  ق قيامي وقل عنه قعودي

ويقول أيضا :

أظمتني الدنيا فلما جئتها  *  مستسقيا مطرت علي مصائبا

 

المتنبي في رحاب سيف الدولة

 

بعد أن ذاع صيت الشاعر الطموح ، وأبياته التي تسحر الألباب ، وصل صداه إلى أمير حلب سيف الدولة ، فدعاه إلى الانضمام إلى بلاطه ، فقبل المتنبي بشروط وهي : ألا ينشد الأمير وهو واقف وألا يقبل الأرض بين يديه . فوافق الأمير .

ومنذ ذاك الحين أصبح المتنبي شاعر سيف الدولة المقرب ، والمحفوف بكرمه وعطفه ، حيث يصحبه في حله وترحاله ، الشيء الذي أوغر صدور سائر الشعراء والأدباء حقدا وحسدا ، وتمكنوا في النهاية من إشعال الفتنة بينه وبين الأمير ، فرحل غاضبا متوجها إلى دمشق .

وفي ذلك يقول :

أزل حسد الحساد عني بكبتهم  *  فأنت الذي صيّرتهم لي حُسّدا

ويقول أيضا :

وفي كل يوم تحت ضبني شويعر  *  ضعيف يقاويني قصير يطاول

المتنبي في رحاب كافور الإخشيدي

 

بعد رحيل المتنبي عن بلاط سيف الدولة ، توجه إلى دمشق  أين قرر أن يبدأ رحلة جديدة من نشد العلو والطموح اللامتناهي ، فسمع عنه حاكم مصر كافور الإخشيدي ، فضمه إليه وأكرمه ، وقد مدحه المتنبي بقصائد عدة ، وإن لم تكن بقدر ممدوحه الأول .

ولقد خاب ظن شاعرنا وتبددت طموحاته حين لم يهبه كافور ما يسد رغبته التواقة للتملك ، فقد كان هدف شاعرنا أن ينال ضيعة أو إمارة ، وفي ذلك يقول :

إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية  *  فجودك يكسوني وشغلك يسلب

لكن لم يتأتى له ذلك ، الشيء الذي جعله يحن لأيامه الزاهية رفقة سيف الدولة ، واعتلته رغبة من اليأس والتشاؤم .

وفي ذلك يقول :

ولما صار ود الناس خبا  *  جَزَيتُ على ابتسام بابتسام

وصرت أشك فيمن أصطفيه  *  لعلمي أنه بعض الأنام

يقول البرقوقي شارح ديوان المتنبي : ‘ وليس بعيدا أن يكون كافور كره من الشاعر إلحاحه في طلبه ، ومداومته على التذكير بالوعد ، في لغة يصح أن تسمى تأنيبا وتوبيخا ، فصح في عزمه ألا ينيله طلبته . ‘

 

وفاة المتنبي ( الشاعر الذي قتله شعره )

 

لم يطب للمتنبي مستقر في أي موضع من الأرض ، لا سيما أنه لم يجد ما يطمح إليه في بلاط كافور ، فقرر الرحيل خفية في ليلة عيد حزينة ، نظم فيها قصيدته المشهورة :

عيد بأي حال عدت يا عيد  *  بما مضى أم لأمر فيك تجديد

وظل يتنقل ما بين العراق وفارس ، ينشد العطايا والهبات ، دون أن يمس ذلك بكبريائه ومجده الذي علته ضبابة من السراب البعيد .

هجا الأمير كافور لبخله وتنكره ، وفي ذات الوقت حنّ لأميره الحمداني ، والذي أرسل إليه يدعوه لمرافقته مثل الأيام الخوالي ، لكن نفس شاعرنا أبت إلا أن تنشد أهدافها الشخصية .

وقد كان السبب الرئيسي في وفاة المتنبي – أو بالأحرى مقتله – أنه هجا رجلا يدعى ضبة بكلام فاحش وخاض في عرضه وعرض أمه ، ومن ذلك قوله :

ما أنصف القوم ضبة  *  وأمه الطرطبة

وإنما قلت ما قلـ  *  ـت رحمة لا محبة

وما يشق على الكلـ  *  ـب أن يكون ابن كلبة

وكان لضبة هذا خال يدعى فاتكا ، وكان اسما على مسمى حيث فتك ثأرا وانتقاما بالمتنبي ، حيث تعرض له حين خرج من فارس إلى بلده العراق ، فقتله وابنه وغلامه ، وذلك في أواخر رمضان حولي سنة 965 م .

وبذلك انطفأت شمعة من الكبرياء والعظمة قلما وجدت في شاعر عُرف في تاريخ الأدب العربي ، شاعر قتله شعره ، وظل إلى آخر رمق يدافع عن مبدأ التملك ونشد العلو والسؤدد ، ذلكم كان شاعرنا المتنبي الذي شغل الدنيا والناس .

 

مؤلفات المتنبي

 

– ديوانه الكبير الذي يحوي ثمين ما جادت به قريحة الشاعر ، وقد عنى بشرحه : الواحدي – أبو العلاء المعري – ناصيف اليازجي – إبراهيم اليازجي – البرقوقي …وغيرهم ، وتنوعت أغراض ديوانه ما بين مدح ورثاء ، وفخر وهجاء ، وغزل وحكم .

خصائص شعر المتنبي

 

حب العظمة ، الثقة في النفس ، الحكمة والبراعة ، صفات طبعت خصائص شعر المتنبي والذي تنوعت مصادره وأغراضه ، وقد تمكن بفضل ما أوتي من بيان ومعرفة بلغة الضاد ، أن يصوغ أبيات جرت على ألسنة الناس مجرى الحكم والأمثال .

المتنبي والمدح

يشغل المدح القسم الأكبر من ديوان المتنبي ، ولا غرابة في ذلك ، فتلك العادة التكسبية كانت نوعا من تقلد المناصب وطلب العيش الرغيد ، مقابل ما يملكون من موهبة ولسان يقطر كلمات تصل القاصي والداني ، وكأن لسان الشاعر كوسائل الإعلام الآن .

ويحترم في أسلوب مدحه القاعدة التقليدية القديمة ، فتراه يستهل القصيدة بمقدمة غزلية ، ويصف الراحلة ، ثم يصل إلى غرض القصيدة الرئيسي وهو التغني بالممدوح .

يقول في مدح سيف الدولة :

وقفتَ وما في الموت شك لواقف  *  كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة  *  ووجهك وضاح وثغرك باسم

المتنبي والرثاء

رثى المتنبي أحباءه بحزن عميق ، جسدتها أبياته الباكية الثائرة المتجهمة ، وقد رثى جدته التي يعتبرها والدته فقال :

أحن إلى الكأس التي شربت بها  *  وأهوى لمثواها التراب وما ضما

أتاها كتابي بعد يأس وترحة  *  فماتت سرورا بي ، فمتّ بها غما

حرام على قلبي السرور فإنني  *  أعد الذي ماتت به بعدها سمّا

المتنبي والوصف

أبدع المتنبي في جانب الوصف ، وإن كان ميله لجانب وصف النفوس والمظاهر الاجتماعية أكثر منها وصف الطبيعة والكون ، فترك لنا لوحات خالدة وبارعة في الجمال .

قال يصف أسدا :

يطأ الثرى مترفقا من تيهه  *  فكأنه آس يجس عليلا

ويردّ عفرته إلى يأفوخه  *  حتى تصير لرأسه إكليلا

وقال يصف لنا هول المعارك والحروب :

أتوك يجرون الحديد كأنما  *  سروا بجياد ما لهن قوائم

إذا برقوا لم تعرف البيض منهم  *  ثيابهم من مثلها والعمائم

المتنبي والهجاء

لم يكن الهجاء فنا يرغب فيه المتنبي بقدر ما هو وسيلة يلجأ إليها في أوقات خاصة تقتضي شكوى وسخطا وتذمرا ، إذ كان يرى مكانته كشاعر يناشد العلياء لا تسمح له بأن يميل إلى هذا النوع من الشعر .

لكنه حينما كان يضطر إليه فكان يوجه سهاما قاتلة لمن طالهم هجاءه فلا تقوم لهم قائمة بعد ذلك ، وفي ذلك يقول الأديب المؤرخ حنا الفاخوري :

– ‘ ...فهجاء المتنبي اذن انتقام لكرامته ، واثئار من زمانه ، واشمئزاز من الدناءات ، واحتقار للؤم ، واستصغار للناس . لقد سخط كثيرا وأصبح صدره كبركان يثور ، إن هاجه أحد عربد وقذف حممه . ‘

قال يهجو كافور الإخشيدي :

ما كنتُ أحسبني أحيا إلى زمن  *  يسيء بي فيه عبد وهو محمود

جوعان يأكل من زادي ويمسكني  *  لكي يقال : عظيم القدر مقصود

أولى اللئام كُويفير بمعذرة  *  في كل لؤم وبعض العذر تفنيد

المتنبي والفخر

يبدو أن الفخر يجري في كيان وشخصية المتنبي مجرى الدم في العروق ، ولا عجب ! فهو الشخصية الشامخة بأنفتها وكبريائها ، الطموحة دائما إلى العلو والرفعة ، لذا كان الفخر يغلب على جل قصائده إن لم يكن كلها .

قال مفتخرا في أبيات خالدة :

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا  *  بأنني خير من تسعى به قدم

الخيل والليل والبيداء تعرفني  *  والسيف والرمح والقرطاس والقلم

وقال أيضا :

كأني دحوت الأرض من خبرتي بها  *  كأني بنى الاسكندر السد من غرمي

المتنبي شاعر الحكمة

إذا كان المتنبي بارعا في الفخر ، متفننا في المدح ، حاد اللسان في الهجاء ، رقيق القلب في الرثاء ، فإنه في الحكمة هو السيد الفيلسوف الذي تعلم من الحياة ، فسطر أبياتا كتبت له الخلود والتربع على عرش شعراء الحكمة .

قال المتنبي في سنّة الحياة :

إنما أنفس الأنيس سباع  *  يتفارسن جهرة واغتيالا

من أطاق التماس شيء غلابا  *  واغتصابا لم يلتمسه سؤالا

وقال أيضا :

يدفن بعضنا بعضا وتمشي  *  أواخرنا على هام الأوالي

أما نظرة المتنبي للناس في زمانه فيقول عنهم :

أذمّ إلى هذا الزمان أُهيلهُ  *  فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد

وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ  *  وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد

ويقول طالبا المجد في أجمل صوره :

إذا غامرت في شرف مروم  *  فلا تقنع بما دون النجوم

 

شخصية المتنبي من خلال شعره

 

تشكلت شخصية المتنبي وعرفت تحولات مهمة وذلك خلال أربعة مراحل من حياته :

1 – مرحلة الفتوة

وهي مرحلة ما قبل اتصاله بسيف الدولة ، حيث كانت دماء الفتوة والطيش والشباب تفوح من كيان شاعرنا الطموح ، فكان شعره ترجمانا لهواجس نفسه الطموحة المغرورة التي اندفعت ثائرة بكا قوة ، باحثة عن مكان بين العظماء .

وفي ذلك يقول :

ردي حياض الردى يا نفس واتركي  *  حياض خوف الردى للشاء والنعم

2 – عند سيف الدولة

في أركان بلاط سيف الدولة انبرى المتنبي في نعم الأمير ظافرا غانما ، وقد بلغ من العمر آنذاك الرابعة والثلاثين ، فكان ذا تجربة ورزانة ، ذاق فيها كيد الحساد ، ومحاولاتهم النيل منه ، فكانت شخصيته الشعرية تتفرق بين قلب فرح بالنعمة ، وبين قلب مكسور من كيد الحساد الذين دفعوه إلى الرحيل .

وها هو يقول في إحدى ثوراته الرائعة :

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي  *  وأسمعت كلماتي من به صمم

3 – في مصر

يبدو أن تجربة الشاعر في مصر لم ترقى أبدا لمطامعه وتطلعاته ، فلم تنجح محاولاته التكسبية في المدح سواء للأمير كافور أو غيره من وجهاء مصر في نيل بغيته ومراده ، فتجرع الحسرات والأحزان ، وتكونت له شخصية ساخطة اتخذت من لسان الهجاء سلاحا فتاكا .

وله في هذه الفترة بيتا شهيرا يترجم تجربته بمصر ، فيقول :

ما كل ما يتمنى المرء يدركه  *  تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

4 – في فارس والعراق

كانت آخر المحطات التي كونت شخصية المتنبي ، وفيها وصل شاعرنا إلى درجة من التعب والإنكسار ، وانطفاء لتلك الشعلة الثائرة ، وقد لجأ الشاعر في هذه المرحلة لضروب من الحكم ووصف الطبيعة ، وكأنه اختار أن يتقاعد ويريح نفسه المحملة بالأثقال وخيبات الأمل .

يقول ذاكرا الأشجار :

وألقى الشرق منها في ثيابي  *  دنانيرا تفر من البنان

لها ثمر تشير إليك منه  *  بأشربة وقفن بلا أوان

وأمواه تصل بها حصاها  *  صليل الحلي في أيدي الغواني

 

ختاما

ذلك هو الشاعر الذي شغل الدنيا والناس ، الشاعر الذي صارت أبياته مضرب الأمثال في الحكم والمعاني العميقة ، لما تتضمنه من مرونة وجمال مرصع بجواهر من اللغة والبيان .

ولقد حاولنا أن نختصر قدر الإمكان في هذا البحث المتواضع ، حتى لا نشعر القارئ العزيز بالملل وطول الفقرات .

مصادر ومراجع :

– المتنبي ( محمود محمد شاكر ) .

– تاريخ الأدب العربي ( حنا الفاخوري ) .

– الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ( مصطفى السقا ، محمد شتا ، عبده زيادة عبده ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *